عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 13-04-07
Claude_Mah Claude_Mah غير متواجد حالياً
كفربو
 
تاريخ التسجيل: Feb 2007
المشاركات: 2,241
قوة السمعة: 10
Claude_Mah is on a distinguished road
افتراضي المسيحية في حلب في العهدين الروماني والبيزنطي

المسيحية في حلب في العهدين الروماني والبيزنطي


بقلم: الأرشمندريت اغناطيوس ديك
نشأة المسيحية في حلب
إن كان المسيح ولد في بيت لحم فالمسيحية انتشرت وترعرعت في سورية. يذكر سفر أعمال الرسل بإسهاب جماعة المسيحيين في دمشق وانطاكية بضع سنوات بعد قيامة المسيح: "وفي انطاكية أولاً دعي التلاميذ مسيحيين" وامتدّت المسيحية إلى سائر أنحاء سورية منذ القرن الأول للميلاد. ويشير المؤرّخ ميخائيل السرياني إلى تقليد يعزو إلى الرسول سمعان الغيور تبشير منطقتي حلب ومنبج.
إن الوثائق القديمة، وهي نادرة، لا تأتي على ذكر الجماعة المسيحية في حلب في القرون الثلاثة الأولى إنما الازدهار الذي نلحظه في القرن الرابع ينمّ عن جماعة متأصلة منذ القديم.
كانت المسيحية غير معترف بها من قِبَل الدولة الرومانية الوثنية، وكان المسيحيون ملاحقون ويفضّلون الموت على نكران إيمانهم المسيحي. ويعدّ الشهداء في سائر أنحاء العالم بمئات الألوف، ومن أشهر الشهداء في جوار حلب القديسان سرجيوس وباخوس وكانا ضابطين رومانيين في موقع مسكنة واستشهدا في الرصافة وبُنيَت على ضريحهما كنيسة فخمة لا تزال آثارها قائمة. والقديسان قزما وداميانوس وكانا طبيبان من أصل عربي استشهدا وبُنيَت كنيسة على اسمهما في مدينة قورش (نبي هوري).
إن أب التاريخ الكنسي أوسابيوس رئيس أساقفة قيصرية فلسطين الذي عاصر الاضطهاد الكبير للامبراطور ديوقلسيانوس، والانفراج الذي حققه قسطنطين الملك هو مصدرنا شبه الأوحد لمعرفة القرون الثلاثة الأولى، وهو لا يأتي على ذكر الجماعة المسيحية في حلب بل يركّز على العاصمة انطاكية التي كانت تدور حلب في فلكها. ويأتي على ذكر أسقف انطاكية القديس أغناطيوس الذي استشهد في عهد تراجان وخلّف لنا رسائل شهيرة. والقديس ثاوفليوس الذي ألّف دفاعاً ضدّ الوثنيين في القرن الثاني، والقديس الشهيد بابيلاس الذي تصدّى للامبراطور فيليب العربي ومنعه دخول الكنيسة لوصوله إلى الحكم بانقلاب دموي واستشهد على عهد الامبراطور داقيوس عام 250 وأصبح قبره مزاراً في منطقة دافني (الحربيات). وصنيعة الملكة زنوبيا بولس السميساطي الذي شطّ عن الإيمان، وعُقِد مجمعان في انطاكية ضمّا أساقفة سورية وقبادوقيا لإدانته. وتمسّك بمنصبه متذرّعاً بحماية زنوبيا إلى أن أزاحه الامبراطور اوريليانوس بعد تغلبه عليها. وكانت انطاكية مركزاً ثقافياً هاماً مع الكاهن لوقيانوس مفسّر الكتاب المقدس الذي استشهد إبان الاضطهاد الكبير في مطلع القرن الرابع.
وعند اندلاع الأزمة الأريوسية كان رئيس أساقفة انطاكية اوسطاثيوس الذي عارض آريوس وحضر المجمع النيقاوي الأول عام 325 وحاك له الآريوسيون المؤامرات ونفاه الملك قسطنطين عام 330 وعانت كنيسة انطاكية من انقسامات داخلية من جراء ذلك طيلة القرن الرابع.
وكان أوسطاثيوس قبل تسلمه زمام الكرسي الانطاكي عام 324 خلفاً لفيلوغونوس أسقفاً على حلب (بيرية)، وقد راسله رئيس أساقفة الاسكندرية إذ كان لا يزال أسقفاً على بيرية، كما راسل فيلوغونوس رئيس أساقفة انطاكية ليطلعهما على مسألة آريوس قبل أن تتفاقم ( ثاوذوريطوس، التاريخ الكنسي 1/3 مجموعة الآباء اليونان "مين" مجلد 82 عامود 909). وهو أول أسقف لحلب ترك لنا التاريخ اسمه ولا ندري في أي سنة استلم منصبه الأسقفي. ولا شك أنه تعاقب على المدينة قبله أساقفة كثيرون لم يرد اسمهم في الوثائق وتبدو الجماعة المسيحية مزدهرة في حلب في أواسط القرن الرابع مما يدل على أن الجماعة متأصلة فيها منذ القديم.
جوليانوس الجاحد في حلب:
استلم جوليانوس الجاحد الحكم أواخر عام 360 وهو في ريعان الشباب وكان تنكّر للديانة المسيحية وأعاد تعزيز الديانة الوثنية الرومانية. ومرّ في حلب عام 363 قادماً من انطاكية وهو في طريقه إلى محاربة الفرس.
وغضب عندما رأى مستقبليه أعضاء المجلس البلدي الحلبي كلهم مسيحيين وقبل دخول المدينة خطب فيهم مندّداً بالديانة المسيحية راجياً منهم العودة إلى الوثنية فلم يكن جواب مستقبليه إلا الصمت الكامل وعدم الإذعان له وحدث أثناء وجوده في حلب أن شاباً من المدينة ارتدّ للوثنية إرضاءً للإمبراطور فاستاء والده المسيحي وطرده من منزله رغم وجود جوليانوس في المدينة وحرمه من الإرث فما كان من الإمبراطور إلا أن تبناه. وحدثت مشادة بين والد الشاب والإمبراطور فنفي الوالد إلى الصحراء. ثم غادر جوليانوس حلب ولم يمكث فيها طويلاً وعلائم الاستيلاء ظاهر عليه[1].وتوجه إلى الجبهة لمحاربة الفرس فأصابه سهم قاتل فمات. وهو ينادي: "لقد غلبتني أيها الجليلي".
أساقفة حلب في القرن الرابع:
بعد أن انتقل اوسطاثيوس من كرسي حلب إلى الكرسي الانطاكي عام 324 ظلّ كرسي حلب شاغراً فترة ما ولم يردّ ذكر أسقف حلب في لائحة الأساقفة الموقّعين على المجمع النيقاوي (325).
ثم تعيّن المطران كيروس الذي تألّب عليه الاريوسيون وطردوه من كرسيه. وقد مدحه القديس اثناسيوس في كتاب دفاعه عن نفسه إذ يقول:" ألم تضئ مدينة انقرا بمرسلوس ومدينة بيريا أي حلب بكيروس؟ "
ومرّ فترة في حلب القديس ملاتيوس قبل أن يستلم الكرسي الانطاكي ويعيد إليه الإيمان الأرثوذكسي.
اناطوليوس اشترك في سينودس انطاكية عام 363 الذي عقد برئاسة القديس ملاتيوس.
ثاوذوتوس الذي راسله القديس باسيليوس الكبير شهير عصره رئيس أساقفة الكبادوك (375). وجاء بعده اكاكيوس الذي امتدت رئاسته حتى القرن الخامس والذي نعود إليه فيما بعد.
القديس باسيليوس الكبير وأبرشية حلب
القديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفة قيصرية الكبادوك من 370 إلى 379 والمدافع الكبير عن الإيمان الأرثوذكسي ضد الاريوسيين لم يزر حلب إنما ترك عدة رسائل تشيد بأسقف حلب وبإيمان الحلبيين، وقد زاره وفد من أبرشية حلب برئاسة الأرشمندريت اكاكيوس (والأرجح أنه هو الذي اعتلى في ما بعد كرسي حلب) وتعود هذه الرسائل إلى عام 375 أثناء حكم الامبراطور فالنس المدافع عن الاريوسية ورئاسة ثاوذوطوس لأبرشية حلب.
وكان هذا قد اشتهر بفضائله المسيحية وتقواه العظيمة. الرسالة رقم 185 من مجموعة رسائل القديس باسيليوس في مجموعة الآباء اليونانيين، مين. موجهة إلى ثاوذوطوس أسقف بيرياً أي حلب ويثني فيها باسيليوس على تقواه ويطلب إليه أن لا يقطع عنه المراسلة ومما يقول فيها: "إنك وإن كنت لا تكاتبني فمع ذلك ذكري لا يزال في قلبك ليس لأني أرى نفسي أهلاً لمصافاتك بل لأن نفسي بمصافاتك تستغني بوفرة محبتك."[2]
وفي أيام هذا الأسقف الفاضل، وجّه أيضاً القديس باسيليوس الكبير رسالتين إلى مؤمني حلب يمدح فيها ثباتهم في الإيمان ويشجّعهم على مواصلة خدمة الرب. وهذه هي الرسالة الأولى، جاءت في مجموعة مؤلفات القديس تحت عدد 221، وفي بعض النسخ وردت تحت عدد 280، وقد كتبت سنة 375:
"إلى أهل بيريا (حلب)
لقد سبقت معرفتنا لكم، يا أيها الأخوة المشتاق إليهم جداً، من تقواكم الذائعة شهرتها ومن الاكليل الذي وهبتموه باعترافكم بالمسيح. وقائل منكم يقول: من هو ذاك الذي حمل ذكر تقوانا إلى بلاد شاسعة البعد كهذه؟ هو الرب نفسه الذي يجعل أتقياءه أشبه بمصابيح على منارة يضيئون على العالم كله. اما يُشهر غار الظفر المجاهدين المنتصرين، وتنبئ مهارة العمل عن الفعلة ؟ وإذا كان الذكر يدوم إلى الأبد بسبب هذه الأمور وأشباهها، فالذين يعيشون بالتقوى حسب المسيح، أولئك الذين قال عنهم الرب نفسه: إني امجّد الذين مجّدوني، كيف لا يشهرهم ويذيع صيتهم لدى الجميع مُظهراً بهاء مجدهم فيتلألأ مع أشعة الشمس الساطعة ؟ ولقد ضاعفتم شوقنا إليكم برسائلكم، تلك الرسائل التي أظهرتم فيها، علاوة عن جهاداتكم السامية لأجل التقوى، ثباتاً متيناً وحياً في المدافعة عن الإيمان الحقيقي. فلذلك نفرح معكم ونضرع حتى أن رب الجميع الذي في سبيله الجهاد والنضال والذي منه الأكاليل، يملأكم حرارة ويهب نفوسكم القوة ويُبلغ عملكم إلى تمام القبول لديه"[3]
أما الرسالة الثانية (عدد 220 أو 298)، وهي أيضاً بتأريخ سنة 375، فهي هذه:
"إلى أهل بيريا (حلب)
لقد جعل الرب عزاءً عظيماً للذين لا يستطيعون أن يجتمعوا وجهاً لوجه إذ يتحادثون بالرسائل التي تشفّ لا عن صورة الجسد بل عن طبيعة النفس ذاتها. والآن بعد أن تناولنا رسائل تقواكم فعرفناكم ونشأت في قلبنا المحبة نحوكم، لا نحتاج إلى وقت طويل لكي ترسخ فينا ملكة محبتكم. ومن مضمون رسائلكم عينه التهبنا محبة بجمال نفوسكم. وعلاوة على رسالاتكم فإن رسلكم الإخوة بما هم عليه من الأهلية قد بيّنوا لنا حالتكم بأوفر جلاء. وذلك أن شريكنا في الكهنوت اكاكيوس الجزيل الحب والكلي التديّن إذ قد أورد لنا أشياء كثيرة غير التي كتبتموها، وإذ وضع نصب أعيننا جهادكم اليومي ومكافحتكم الشجيعة في سبيل التقوى، قد ولّد فينا إعجاباً هذا عظمه ورغبة هذه شدّتها للاشتراك بخيراتكم حتى إننا صرنا نطلب إلى الرب أن يهبنا وقتاً يتهيأ لنا فيه أن نختبر نحن بنفسنا أحوالكم. فقد اخبرنا ليس فقط عن جميل تصرّفكم أنتم الذين وُكِّلَ إليهم خدمة المذابح، بل أيضاً عن اتفاق كلمة كل الشعب وعن شرف آداب الذين يرأسون المدينة ويعنون بأمورها وعن حبهم الحقيقي للرب. ولذا فإني أطوّب كنيسة قوامها أناس مثل هؤلاء، وأطلب إليكم الآن بزيادة السكينة الروحية حتى إن ما تكونون قد قبلتموه وقت الجهاد تتمتّعون به وقت الراحة. ومن عادة الأمور الصعبة المزاولة أنها تولّد ملذّة لمن تذكّرها. أما بشأن الوقت الحاضر، فإنّي أحرّضكم لا أن تتراخوا في الجهاد وأن لا تكلّوا لمواصلة المشقات، فإن الإكليل قريب وقريبة أيضاً معونة الرب، فاحذروا أن تضيعوا أتعابكم السالفة. ولا تظنّوا أن تعبكم الذي ذاع صيته في العالم اجمع يذهب سدى. فالأحوال البشرية قصيرة جداً، إذ كل بشرة عشب، وكل مجد الإنسان كزهرة العشب. فالعشب قد يبس وزهره قد سقط، أما كلمة الرب فتدوم إلى الأبد. فلنزدرِ بصورة الأمور الحاضرة متمسّكين بالحقيقة الدائمة. فإن مثلكم قد ثبّت كنائس كثيرة. وقد أحرزتم لأنفسكم من حيث لا تدرون ثواباً عظيماً، إذ أنكم (بعملكم) تدعون الجهلاء إلى مباراتكم، فالمُثيب غني، وهو قادر أن يهبكم مكافأة لائقة بجهاداتكم."[4]
القديس ايرونيموس في جهات حلب حلب معقل ملّة الناصرين:_
القديس ايرونيموس عالم غربي قدم إلى الشرق وتضلّع من اللغتين اليونانية والعبرانية وترجم الأسفار المقدسة إلى اللغة اللاتينية وترجمته هي المعتمدة في الكنيسة الغربية (الفولكاتا). ولد عام 342 في مقاطعة دلماتيا (كرواتيا). نسك في صحراء قنسرين في جوار حلب من 375 إلى 378. ولم ترق له كثيراً الحياة النسكية السورية، وكان رجلاً مثقفاً فانكبّ على الدراسة وتعلّم العبرية على يد راهب يهودي متنصّر. وفي هذه الحقبة اتصل بملّة الناصريين في حلب وأخذ عنهم الإنجيل حسب العبرانيين، المكتوب بخط آرامي، والذي ترجمه فيما بعد إلى اليونانية واللاتينية.
والناصريون هم مسيحيون من أصل يهودي يحافظون على الشريعة الموسوية ويؤمنون بألوهية المسيح. ولما تشتّتوا بعد نكبة اليهود في فلسطين على أيدي الرومان نزح قسم منهم إلى حلب، ويأتي على ذكرهم القديس ابيفانيوس[5] ويستشفّ من المصادر أن حلب كانت تشتمل على جالية يهودية قديمة. وأقدم مخطوط للتوراة كان محفوظاً في كنيس حلب. ثم أن ايرونيموس غادر حلب إلى القطسنطينية حيث تعرّف شخصياً على القديس غريغوريوس اللاهوتي، والقديس غريغوريوس النيصي شقيق باسيليوس الكبير. وعاد إلى انطاكية لفترة حيث رسم كاهناً (378-382) ثم عاد إلى رومة وأخيراً أنهى حياته في بيت لحم حيث أكمل دراساته وترجماته وتوفي عام 420.
المطران اكاكيوس 378-432
أشهر أساقفة حلب في تلك الحقبة اكاكيوس أو آقاق الذي رئس كرسي حلب أكثر من نصف قرن وعاش مئة وعشر سنوات وعاصر أهم الأحداث الكنسية من المجمع القسطنطيني الأول (381) حتى المجمع الأفسسي (431).
ولد نحو عام 322 ومارس الحياة النسكية والرهبانية في منطقة انطاكية قرب جندارس. وزار القديس باسيليوس الكبير على رأس وفد أكليريوس حلب.
وعام 378 سامه اوسابيوس الصميصاتي أسقفاً على كرسي حلب. وشارك في السينودس الذي عقده ملاتيوس الانطاكي ربيع 379 لتوضيح العقيدة الأرثوذكسية، ورئس الوفد الذي توجّه إلى رومة لنقل أعمال السينودس إلى البابا داماسيوس. وشارك عام 381 في المجمع القسطنطيني الأول (المسكوني الثاني) الذي توفّي أثناءه ملاتيوس الانطاكي. وشارك في سيامة خلفه فلابيانوس وتوتّرت من جراء ذلك علاقته مع البابا داماسيوس[6].
وعام 398 لما انتخب يوحنا الذهبي الفم لكرسي القسطنطينية (وهو ربيب ملاتيوس وفلافيانوس) أوفد فلافيانوس الانطاكي اكاكيوس مطران حلب ليمثله في حفلة التنصيب. ثم تألّب اكاكيوس على الذهبي الفم وناصر خصومه الذين عملوا على إدانته ونفيه، ثم تصالح معه بعد تدخّل البابا اينوشنسيوس الأول.
أدار اكاكيوس أبرشيته بحكمة واكتسب تقدير الجميع، وكان المؤرخ ثاوذوريطوس أسقف قورش يكنّ له اعتباراً كبيراً ويتردّد عليه لاستقاء المعلومات وهو أي اكاكيوس يكبره بسبعين سنة. أتى على ذكره في كتابه تاريخ أصفياء الله: إن استيريوس بدافع من النعمة الإلهية، ولكي يدرّب الكثيرين غيره في هذه الفضيلة نفسها، قام بنقل ميدان تدريبه النسكي إلى نواحي جندارس وهي بلدة كبيرة في ضواحي انطاكية، فجذب إليه الكثيرين من أبطال الفلسفة المسيحية وخصوصاً اكاكيوس العظيم. وأؤكّد أنه هو اكاكيوس الشهير ذاك الذي لمع أولاً في الحياة النسكية، ثم انتشرت أشعة فضائله الباهرة لما تشرّف برئاسة الكهنوت، وأسندت إليه رعاية مدينة بيرية (حلب). وفي مدة الثماني والخمسين سنة التي في أثنائها أمسك بيده زمام رعاية هذا القطيع لم يهمل سيرته النسكية بل أضاف الفضائل المدنية إلى الفضائل النسكية وفي محافظته على صرامة هذه ومرونة تلك جمع بين المتناقضات.[7]
ولما كان اكاكيوس ناسكاً في جنداريس جاءه الكاهنان فلابيانوس وذيوذوروس القائمان على إدارة كنيسة انطاكية (وكان ملاتيوس منفّياً) يطلبان منه التوسط لدى الراهب القديس يوليانوس ليأتي إلى انطاكية ويوطّد إيمان الشعب إذ كان الامبراطور فالنس يساند الاريوسيين. فأقنع كاكيوس يوليانوس وجاء به إلى انطاكية وقضى فيها فترة وأجرى فيها عدة معجزات ويقول ثاوذوريطوس: إني قد تسلّمت هذه الحوادث عن اكاكيوس العظيم الحافظ بدقة كل ما يتعلّق بيوليانوس[8]. وعند سيرة اوسابيوس التلعدي يقول ثاوذوريطوس: قد أخذت هذه المعلومات من الكثيرين الذين عرفوه وحفظوا بتدقيق ما يختصّ به. وقد روى لي ذلك أيضاً اكاكيوس الشيخ العظيم الذي سبق أن تكلّمنا عنه في أحاديثنا السابقة[9]. وفي روايته لما حدث للناسك يعقوب القورشي تلميذ مار مارون يقول: "ثم أتى أحدهم إلى بيرية حيث كنت موجوداً ليخبرني بما حدث ويعلمني بنبأ وفاته. فقمت للحال على عجل وبعد مسيرة ليلة كاملة من السفر كنت في حضرة رجل الله الذي لم يكن ينبس بكلمة ولا يتمكن من معرفة أحد ممن كانوا حوله. ومع ذلك لما وجهت إليه الكلام وبلغته أماني اكاكيوس العظيم له فتح عينيه للحال وسألني كيف حاله وأراد أن يعرف أيضاً متى وصلت إليه.[10]
كان ثاوذوريطوس يتردد كثيراً إلى بيرية (حلب) ليلتقي أسقفها اكاكيوس الذي كان يكن له كل تقدير ويستقي منه المعلومات. وهذا النفوذ استخدمه اكاكيوس ليهدئ الأمور عقب مجمع أفسس ويقنع ثاوذوريطوس بمصالحة القديس كيرلس الاسكندري. عقد مجمع أفسس عام 431 ليحلّ الخلاف العقائدي الذي نشب بين كيرلس الاسكندري ونسطوريوس القسطنطيني (وهو انطاكي المنشأ) وكان العديد من الأساقفة الانطاكيين ومنهم ثاوذوريطوس يتعاطفون مع نسطوريوس ويحاولون تفسير تعليمه بشكل أرثوذكسي. ولما عقد المجمع وكان يديره كيرلس الاسكندري لم يتمكّن الانطاكيون من اسماع صوتهم وانفصلوا عن القديس كيرلس وأتباعه. كان اكاكيوس دعي إلى المجمع ولم يتمكن من الحضور لكبر سنه ومثّله بولس أسقف حمص إنما كان اكاكيوس له دور كبير عقب المجمع لرأب الصدع وإعادة الصلح، وكلّفه الامبراطور رسمياً بذلك لأنه لم يكن قد تورّط في النزاع وحافظ على صداقة كل من كيرلس رئيس أساقفة الاسكندرية ويوحنا رئيس أساقفة انطاكية. وبعد المداولات تمّ الاتفاق بين كيرلس ويوحنا الانطاكي في مطلع عام 433 وقبل يوحنا إدانة نسطوريوس، وقَبِل كيرلس القول بالطبيعتين في المسيح، وتوفي اكاكيوس في هذه الأثناء.
وكان متقشّفاً في عيشه محافظاً على القوانين الربانية. وقد امتدح المؤرخ سوزومينوس فضيلته بحماس إذ قال عنه: إنه كان مثالاً لكل منقبة في كل مدة اسقفيته، وكان مضيافاً يقبل الغرباء والزائرين في أي وقت حلّوا فيه حتى أنه لم يكد يبقى له وقت للأكل والنوم، وإنه كان يقظاً على محاربة نفسه. وقد مدحه أساقفة الشرق الملتئمون في مجمع أفسس (431) بكتاب أرسلوه إلى الامبراطور ثاوذوسيوس يقولون فيه عنه أنه محبوب جداً وذو قداسة عظيمة. ولم يبق لنا منه سوى بعض رسالات.[11]
العلاّمة ثاوذوريطوس والحلبيين:
ثاوذوريطوس أسقف قورش من ألمع الكتّاب واللاهوتيين الانطاكيين. ولِد في انطاكية حوالي عام 393 من أسرة عريقة، وتضلّع في العلوم والآداب اليونانية وكان يفهم السريانية. مارس الحياة الرهبانية في منطقة أفاميا (دير نقرتة)، واستلم زمام أبرشية كورش عام 423، ولعب دوراً كبيراً في المناقشات اللاهوتية في مجمعي أفسس وخلقيدونيا. له مؤلفات عديدة أهمها تاريخ أصفياء الله (تاريخ الرهبان في سورية) والتاريخ الكنسي، وكانت تربطه باكاكيوس مطران حلب مودّة كبيرة ويتردّد عليه كما رأينا.
وفي كتابه أصفياء الله يورد بعض الأحداث تثبت روح التقوى التي تميّز بها الحلبيون منذ القدم والتي شهد لهم بها القديس باسيليوس الكبير كما رأينا.
جاء في الفصل 3 رقم 9 في ترجمته للراهب مرقيانوس القورشي:
إن رجلاً من الأشراف كان قد تولّى مراراً عديدة قيادة الجيش، أصله من بيرية سوريا (حلب) وكانت له ابنة استولى عليها شيطان خبيث بسبب طيشها. فكانت من جرّاء ذلك تضطرب وتتهيج تهيّج المصابين بالكَلَب، فانطلق هذا إلى الصحراء بدافع من صداقته لمرقيانوس قاصداً أن يقابله ويلتمس منه النجدة نظراً لعلاقتهما الودية السابقة. ولكن، لما خاب أمله بسبب منعه من مشاهدة رجل الله، توسّل إلى شيخ كان يقوم في ذلك الوقت بخدمة خادم الله أن يستل منه حنجوراً مملوءاً زيتاً ويضعه أمام باب صومعته. لكنّ الشيخ كان يرفض تلبية طلب الرجل، أخيراً قَبِل ملتمسه للتخلص من إلحاحه. غير أن مرقيانوس الذي سمع وقع أقدامه، سأل عمّن يكون القادم إليه وما هي الغاية من مجيئه. لكن الشيخ، لكي يخفي الحقيقة قال: "جئت لأرى هل تريد مني شيئاً". قال هذا وقَفِل راجعاً. وفي صباح اليوم التالي، أقبل والد الصبية من جديد يطلب الحنجور. فاضطر الشيخ، رغم مخاوفه، أن يمشي رويداً رويداً ثم مدّيده وتناول الحنجور محاولاً أن لا يشعر به أحد. لكن مرقيانوس سأله أيضاً عن سبب مجيئه. ولمّا أجابه بما كان جوابه في عشية الليلة الماضية، غضب رجل الله لأن مجيء الشيخ على خلاف عادته وأمره بأن يقول الحقيقة. فخاف الشيخ واضطرب وشعر بأنه لا يستطيع أن يُخفي شيئاً عن هذا الرجل الممتلئ من النعمة الإلهية، فقال له من هو الرجل الآتي إليه وأطلعه على المأساة التي يعانيها وأراه الحنجور. فغضب رجل الله تجاه هذه المخالفة، لأنه كعادته لا يريد أن تنكشف فضيلته. ثم هدّده بأنه سيتخلّى عن عشرته إذا تجاسر على تكرار فعلته هذه فيفصله عن خدمته وهذا كان العقاب الأعظم في حق من عرفوا فائدة البقاء معه ومع ذلك فقد صرفه بعد أن أمره بأن يردّ الحنجور إلى صاحبه.
وفيما كان مرقيانوس يُعطي هذا الأمر، كان الشيطان في بيرية، على بُعد مسافة أربعة أيام يصرخ متألماً من قدرة مضطهده، لأنه كان يعمل في بيرية ضد الشيطان كمن يستخدم منفّذين لأمره. فأزال المحنة وجعل الفتاة في مأمن من فِعل الشيطان وأن أباها قد عرف ذلك بتدقيق وهو في طريق عودته إلى المدينة على بُعد غلوات حيث التقاه أحد غلمانه الموفد من قِبَل سيدّته لملاقاته. فلدى مشاهدته سيّده أخبره بالأعجوبة وقال أنها حصلت منذ أربعة أيام. فأخذ الرجل يعدّ الأيام الماضية ويدقّق في الوقت، فاتضح له أن ذلك قد حدث عندما سلّمه الشيخ الحنجور.[12]
يتبع .....
رد مع اقتباس