عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 13-04-07
Claude_Mah Claude_Mah غير متواجد حالياً
كفربو
 
تاريخ التسجيل: Feb 2007
المشاركات: 2,241
قوة السمعة: 10
Claude_Mah is on a distinguished road
افتراضي رد: المسيحية في حلب في العهدين الروماني والبيزنطي

تكملة الموضوع :
مارانا وكيرا
يورد ثاوذوريطوس فصلاً خاصاً، الفصل 29 لسيرة ناسكتين حلبيتين نسكتا خارج أبواب المدينة بين باب انطاكية وباب جنين:
1- أصلهما وطريقة حياتهما: بعد أن كتبتُ سيرة حياة أولئك الرجال الأبطال، أرى مفيداً أن أجعل ذكراً للنساء اللواتي جاهدن هنّ أيضاً بعزيمة ليست في شيء أقل من عزائم أولئك، لأنهنّ رغم طبيعتهنّ الضعيفة قد أظهرن من البسالة ما يُضاهي شجاعة الرجال. وبذلك قد حرّرن جنسهنّ من عارهنّ التقليدي.
2- وأبدأ بذكر مارانا وكيرا اللتين تفوّقتا على جميع النساء ببطولتهما في الجهاد. بيرية (حلب) هي مدينتهما. وطبقتهما هي المثلى فيها. وتربيتهما كذلك. ولكنّهما قد تخلّتا عن هذا كله وجعلتا لهما حصناً صغيراً عند مدخل المدينة وأوصدتا الباب بالطين والحجارة. وكانتا قد اصطحبتا معهما خادماتهما الفتيات اللواتي رغبن في العيش على طريقتهما، وشيّدتا لهنّ ديراً صغيراً خارجاً عن حصنهما وأوعزتا إليهن أن يعشن فيه. ثم صارتا تطلاّن عليهنّ من نافذة صغيرة وتدعيانهنّ مراراً إلى الصلاة فتُضرمان فيهنّ نار المحبة الإلهية. أما هما فتعيشان في الهواء الطلق دون غرفة ولا كوخ.
3- معاطاتهما مع الزوار: وقد هيأتا نافذة عوض الباب يصل إليهما الطعام الضروري بواسطتها وتُخاطبان منها النساء الآتيات لزيارتهما. لكنّ هذه الزيارات لا يُسمح بها إلا في زمن العنصرة فقط. أما في سائر أوقاتهما فهما تلتزمان ممارسة حياة الهدوء. ومارانا وحدها هي تتولّى المعاطاة مع الزائرات، لأن الأخرى لم يسمعها أحد قط تتكلّم.
4- إماتتهما بشهادة المؤلف: وهما ترزحان تحت عبء الأثقال الحديدية، حتى ان كيرا وهي الأضعف يبقى جسمها كلّه منحنياً نحو الأرض فلا تستطيع أن تنتصب البتة. وهما ترتديان ثياباً طويلة جداً يجرّانها وراءهما على الأرض فتستر الرجلين تماماً. أما من الأمام فهي تنحدر حتى الخصر فتحجب منهما الوجه والعنق والصدر واليدين.
5- وقد شاهدتهما مراراً وأنا في داخل ذلك المعبر الذي كانتا تأمران بفتحه لي إكراماً لدرجتي الأسقفية. ومن ثم رأيتهما وهما تحملان من الأثقال الحديدية ما يعجز عن حمله رجل معافى. ولكثرة لجاجتي توصلت إلى إقناعهما بالتخلّي عنها في أثناء حضوري. ولكنهما بعد ذهابي كانتا تعودان إلى إرجاع تلك الأثقال إلى محلّها في الجسم: الطوق الحديدي في العنق والزنار في الخصر والباقي في الذراعين والرجلين.
6- موضوع تأملهما: وهما تسيران على هذه الطريقة من العيش ليس منذ خمس سنوات أو عشر أو خمس عشرة فحسب، بل منذ اثنين وأربعين سنة أيضاً. وهما، وقد مضى عليهما كل هذه المدة في الجهاد لا تزال حرارتهما فيه على ما كانت في البدء. فهما تتأملان في جمال العريس الإلهي فتتحملان بكثير من الارتياح وبسهولة أكثر أتعاب مسيرتهما وتتطلعان بفروغ الصبر إلى غاية جهادهما حيث تشاهدان حبيبهما واقفاً ينتظرهما وهو يلوّح لهما بإكليل الظفر. ولهذا السبب هما تتقبّلان سقوط المطر والثلج عليهما وحرارة الشمس دون ما حزن أو تذمّر، بل هما تجنيان تعزية في وسط هذه العوارض التي تبدو أنها مزعجة لا تطاق.
7- زيارتهما للقدس ولقبر القديسة تقلا: واقتداء منهما بصوم موسى، قصدتا الامتناع عن تناول الطعام ثلاث مرات لمدة طويلة على مثاله، ففي أثنائها لم تتناولا شيئاً من الطعام إلا بعد مضي أربعين يوماً. وقررتا أن تصوما صوم دانيال الإلهي لمدة ثلاثة أسابيع ثم أعطيتا طعاماً لجسدهما. وخطر لهما يوماً أن تشاهدا الاماكن المقدسة بآلام المسيح الخلاصية، فأسرعتا نحو آليا (القدس) دون أن تأكلا شيئاً في الطريق، ولكنهما لدى وصولهما إلى المدينة المقدسة واتمام مراسيم العبادة، تناولتا طعاماً، ثم قفلتا راجعتين دون طعام، من سفر اقتضى له عشرون يوماً من السير. ثم أيضاً تلبية لرغبتهما في أن تشاهدا ضريح تقلا المظفّرة في ايصورية فتضرما في المنازل نار المحبة الإلهية، راحتا إلى هناك صائمتين ذهاباً وإياباً بدافع من العشق الإلهي الذي أخرجهما عن ذاتهما وجعلهما تجنّان في محبة عروسهما الإلهي.
وعليه، لما غدتا بسيرتهما هذه زينة لجنس النساء ومثالاً لهن جميعاً، فإن الرب قد هيأ لهما أكلة الظفر. أما أنا وقد بيّنت الفوائد المجتناة من ذلك، فبعد أن حظيت ببركتهما، أنتقل بالكلام إلى سيرة أخرى. ( تاريخ أصفياء الله صفحة 231 232).
وذكر البطريرك مكاريوس الحلبي المتوفى عام 1672 موقع دير الناسكتين في مقال له عن "أسامي أبرشيات وبلاد كثيرون من الناس لم يعرفوها" فقال: "وكانت بيرية أي حلب أسقفية ومنها ظهرت البارّتان مارانه وكوره. وإلى الآن ديرهما باق داخل باب الجنان وهو الآن خان ويدعى دار كوره.
هذا وقد أورد الدويهي أن مقام القديستين كورا ومارانا في حلب لا يزال معروفاً إلى يومنا هذا بدار كورا.
ويذكر الغزي في كتابه عن حلب خان كورا ولم يعد يجد تفسيراً لهذا الاسم سوى نسبته لأحد عملاء المعتضد على حلب: "وفي سنة 286 قلّد المعتضد حلب وقنسرين ولده ابا محمد المعروف بكوره الخراساني وإليه تنسب دار كوره داخل باب الجنان بحلب" (مجلد 3 ص 37).

القديس سمعان العمودي وتنصير القبائل العربية في جوار حلب
يورد ثاوذوريطوس سيرة القديس سمعان العمودي الذي عرفه شخصياً وكان يمرّ عند عموده كل ما توجّه من قورش إلى حلب. ويوضح الدور الكبير الذي لعبه القديس سمعان العمودي وهو على العمود في تنصير القبائل العربية في جوار حلب:
وليس ما أتينا على ذكره مجرّد أقوال تُشيد بصحة هذه الأمور، بل هي الأعمال نفسها تنادي بذلك بأعلى صوتها. فالاسماعيليون مثلاً المستعبَدون لعشرات الألوف من ظلمات الكفر، إن الإقامة على العمود هي التي أنارتهم.
فإن هذا المشعل الوضّاء كان قائماً نصب أعينهم بمثابة منارة يرسل كالشمس بأشعته إلى كل مكان. وكنت ترى، كما سبق وقلت، الايبيريين والأرمن والفرس مقبلين إليه ومقتبلين العماد على يده. أما الاسماعيليون القادمون إليه بالجملة، مئتان أو ثلاث معاً وأحياناًحتى الألف، فكانوا ينبذون ضلال آبائهم بصراخ قويّ ويحطمون تجاه هذا المشعل العظيم الأصنام التي كان آباؤهم يعبدونها ويحرّمون على أنفسهم تلك الولائم المقامة لأفروديت وكانوا قد اعتنقوا عبادة هذا الشيطان منذ أمد بعيد ثم يشتركون في الأسرار الإلهية ويتقبّلون الوصايا من هذا الفم المقدس قائلين الوداع لعادات آبائهم وممتنعين عن أكل حمار الوحش والجمل.
النزاعات الحاصلة حول العمود: وإن هؤلاء القوم قد رأيتهم بعيني وسمعتهم يرفضون كفر آبائهم ويتقبّلون تعليم الإنجيل حتى إني أنا نفسي قد تعرّضت مرة لخطر جسيم بسببهم، ذلك أن سمعان قد أوعز إليهم أن يتوجّهوا إليّ لينالوا البركة الكهنوتية فيحظون بذلك على فائدة عظمى. فانقضّوا عليّ كالبرابرة وصاروا يجرّوني بعضهم من الأمام وبعضهم من الخلف وغيرهم من هذه الجهة ومن تلك. أما البعيدون منهم فرغبة منهم في الوصول إليّ قبل غيرهم كانوا يبسطون أيديهم فيمسك هذا بلحيتي وغيره يجرّ إليه ثوبي، فكدت أختنق من جرّاء هذا الهجوم الفظيع لو لم يأخذ هو في الصراخ لكي يبدّدهم. هذا هو الخير الذي كان يتفجّر من هذا العمود الذي يسخر منه الساخرون. وهذا هو شعاع المعرفة الإلهية الذي بعثه سمعان في أذهان البرابرة.
وَلَدَيَّ رواية أخرى من هذا النوع عن هؤلاء القوم أنفسهم. فقد طلبتْ يوماً إحدى القبائل من سمعان أن يصلّي لأجل أميرها ويبارك عليه. فعارضتها قبيلة أخرى كانت حاضرة هناك وقالت: إن هذه البركة لا يمكن أن تكون موجّهة إلى ذلك الأمير، بل إلى أميرها هي، لأن ذاك متمرّس في الشرور وهذا لا غبار عليه. ثم قام جدال بينهما أدّى في النهاية إلى النزاع كما هي عادة البرابرة. فانقضّ بعضهم على البعض الآخر. وكنت أنا أحاول أن أنصحهم بكلام كثير أن يرتدّ بعضهم عن بعض، مبيناً أن الرجل لديه من البركة ما يكفي الفريقين. ولكن كل منهما ظلّ يرفض أن تكون بركة للفريق الآخر. حينئذ أخذ سمعان يهدّدهم من فوق وينعتهم بالكلاب. ولم يهدأ النزاع إلا بصعوبة كبرى. وانا لم أروِ هذا الحادث إلا لدلالته على روح الإيمان فيهم. فهم لم يكونوا قد تصرّفوا هكذا كالمجانين لولا إيمانهم بان بركة هذا الرجل الملهم لها قوّة عظمى.
شهرته في بلاد فارس: ورغم أن لدي الكثير من الحوادث في هذا المعنى يمكنني أن أرويها، فأنا أتخلّى عنها تجنباً لإطالة الحديث. وكفى بذلك دلالة على ما في ذهن سمعان من إشراقات روحية.
وإن شهرته كانت قد بلغت حتى بلاط العاهل الفارسي. وعلى ما يروي الوافدون من هناك إليه، أن الملك كان يُدقّق في السؤال عن طريقة حياة هذا الرجل وعن نوعية عجائبه. ويُقال أن امرأته أيضاً كانت قد طلبت زيتاً حائزاً على بركته وأنها تقبّلته بمثابة هدية فاخرة، وأن حاشية الملك كلّها كانت مأخوذة بشهرته رغم سماعها كل الافتراءات التي كان المجوس يروّجونها ضدّه فكانوا يدقّقون في السؤال عنه، ولما يطّلعون على حقيقته، كانوا ينعتونه بالرجل الإلهي. اما سائر الشعب فكانوا يلجأون إلى المكاريين وخدّام القصر والجنود ويرشونهم بالدراهم ليحظوا على بركة من زيت.
أميرة الاسماعيليين: كانت أميرة الاسماعيليين عاقراً وكانت ترغب في إنجاب البنين، فأوفدت إلى سمعان كبار الوجوه يسألون لها الأمومة. ولما استُجيبت طلبتها وولدت طفلاً بحسب رغبتها، حملت الأمير المولود وأتت به إلى رجل الله الشيخ. لكن لما كان الوصول إليه محرّماً على النساء، بعثت بالطفل إليه تلتمس بركته مع صلاته قائلة: "إن هذه الباقة هي لك. أجل أنني من جهتي قد حملت البذار الذي كانت تبتغيه صلاتي، لكنك أنت بصلاتك قد حوّلت البذار إلى باقة لما استجلبت عليه النعمة الإلهية". ( تاريخ أصفياء الله صفحة 214 217).
المعابد والكنيسة الكبرى في العهد البيزنطي
تمّ تنصير الريف السوري بفضل الرهبان منذ أواسط القرن الخامس وتشهد الكنائس التي لا تزال قائمة بالمئات في الجبال الكلسية بين حلب وانطاكية ومعرة النعمان بازدهار الحياة المسيحية ومستوى العيش في تلك المنطقة.
وإن مدينة حلب نفسها اندثرت فيها الوثنية في القرن الخامس وامتلأت كنائس ومعابد.
يقول ابن شداد وابن شحنة من بعده أنه كان في حلب قبل الفتح العربي لا أقل من سبعين كنيسة (الأعلاق الخطيرة ص 45 منشورات المعهد الفرنسي بدمشق للدراسات العربية دمشق 1953).
يرى بعضهم أن هذا العدد مبالغ فيه لكننا لا نستغربه لما تبيّن لنا من تقوى الحلبيين، ونظراً لأن المدينة كلها انتقلت شيئاً فشيئاً إلى المسيحية.
ظلّ عددٌ من هذه الكنائس بيد المسيحيين بضعة قرون بعد الفتح العربي، أما الكنائس الحالية فمستحدثة وأقدمها يعود إلى القرن الخامس عشر أو السادس عشر.
هل بوسعنا أن نعرف أسماء أو مواقع الكنائس التي تعود إلى العهد البيزنطي؟ لا شك أن أهم هذه الكنائس هي الكاتدرائية أو الكنيسة العظمى التي يبقى جزء من آثارها في المدرسة الحلوية غربي الجامع الكبير وبقيت بيد الملكيين حتى عام 1124.
ينسب المؤرخ ميخائيل الكبير بناء هذه الكنيسة إلى مطران حلب الشهير اكاكيوس (378-432) ولكن التنقيب عن الآثار المتبقية أظهر أنها من القرن السادس. فالامبراطور يوستينيانوس اعاد بناء الكنيسة بعد غزوة كسرى انو شروان (540) على طراز دائري شبيه بكاتدرائية بصرى. والكنيسة الأولى كانت تحويلاً لمعبد حدد الوثني. وقد يكون المطران اكاكيوس أشرف على البناء الأول. وكان في جوار الكاتدرائية دار المطران والدوائر ومدخلها من الجنوب من الشارع الكبير ذي العواميد الذي يقطع المدينة من باب انطاكية إلى القلعة.
يقول ابن شداد: كان النصارى يعظّمون هذا المذبح ويقصدونه من سائر البلاد، وكانت حمام موغان حماماً للهيكل وكان حوله قريباً من مائتي قلاية تنظر إليه، وكان في وسطه كرسي ارتفاعه أحد عشر ذراعاً من الرخام الملكي الأبيض، ويقول في ذكر الجامع الذي بُني في جوار الكنيسة: "كان موضع الجامع بستاناً للكنيسة العظمى في أيام الروم ولما فتح المسلمون حلب صالحوا أهلها على موضوع المسجد الجامع وإلى الجهة الشمالية للجامع كانت مقبرة للكنيسة المذكورة".
يقول المطران ناوفيطوس أدلبي بعدما استشهد بأقوال ابن شداد في دراسته عن الكنيسة العظمى أو كاتدرائية حلب البيزنطية:
هذه النصوص تضفي أنواراً جديدة على ما أوردناه سابقاً، وتمكنا من استخلاص الاستنتاجات التالية فيما يخصّ موقع الكنيسة العظمى من الجامع الكبير، فنقول:
إن موضع الجامع الكبير كان على زمن الروم، أي قبل الفتح العربي، بستاناً للكنيسة العظمى، بل أن الجزء الشمالي من الجامع كان مقبرة للكنيسة المذكورة. فالعرب إذاً عند فتحهم المدينة لم يحتلّوا الكنيسة العظمى، بل اكتفوا ببناء جامعهم غربي الكنيسة، في ما كان يعرف قديماً بساحة المدينة أو (الاغورا) ثم تحوّل رويداً رويداً إلى باحة للكنيسة، فخصّص الجزء الشمالي منها مقبرة، وبقي الجزء الجنوبي بستاناً.
وعلى هذا الأساس نستطيع ان نعود فنتصوّر، مع المهندس ايكوشار، كيف كان وضع الكنيسة العظمى والمطرانية المجاورة لها عشية الفتح العربي ، فنجد أن الكنيسة كانت تحتلّ قلب المدينة الهلنستية، وتشكّل الجانب الغربي من "الاغورا" بينما تحوّلت بقية الساحة إلى مقبرة وبستان. وكان المؤمنون يفدون إلى الكنيسة خصوصاً من الشارع العريض الذي يخترق المدينة على طولها، من باب انطاكية إلى القلعة، أو يدخلونها من أحد الشوارع الضيقة المجاورة. فإن مدخل الكنيسة الرئيسي كان إلى الغرب، متفرعاً من أحد الشوارع العريضة. فيجد الوافد إلى الكنيسة من الغرب باحة مستطيلة الشكل تحيط بها الأروقة والأعمدة على جهاتها الأربع. ثم تأتي الكنيسة بشكلها المستدير الذي وصفناه. أما المذبح فكان في حنية خاصة به موجهة إلى الشرق، تحيط به قاعتان، الواحدة لتقدمة القرابين، والأخرى للآنية المقدسة ولباس خدّام الهيكل. أما دار المطرانية فقد تكون جنوبي الكنيسة أو شماليها.
يتبع ........
رد مع اقتباس