اطلاق موقع رسمي لكات... [ الكاتب : المايسترو رودي - آخر الردود : المايسترو رودي - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 366 ]       »     تكريم الطلاب المتفوق... [ الكاتب : RAWAD MAOUD - آخر الردود : RAWAD MAOUD - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 754 ]       »     قداس أحد العنصرة في ... [ الكاتب : RAWAD MAOUD - آخر الردود : RAWAD MAOUD - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 428 ]       »     سلام من القلب [ الكاتب : Zahra - آخر الردود : Zahra - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 581 ]       »     تطبيق كاتدرائية النب... [ الكاتب : RAWAD MAOUD - آخر الردود : RAWAD MAOUD - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 4281 ]       »     كاتدرائية النبي إيلي... [ الكاتب : RAWAD MAOUD - آخر الردود : RAWAD MAOUD - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 1131 ]       »     جوجل تعمل على تطوير ... [ الكاتب : RAWAD MAOUD - آخر الردود : RAWAD MAOUD - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 1087 ]       »     كيف تصمم شخصيتك كرمو... [ الكاتب : RAWAD MAOUD - آخر الردود : RAWAD MAOUD - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 725 ]       »     كل ما نعرفه حتى اليو... [ الكاتب : RAWAD MAOUD - آخر الردود : RAWAD MAOUD - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 2151 ]       »     عودة السلطان أبو ودي... [ الكاتب : RAWAD MAOUD - آخر الردود : RAWAD MAOUD - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 1 ]       »    


الإهداءات


         
العودة   منتديات بلدة كفربهم .......أهلا بكم . > المنتديات العامة > منتدى التراث والحضارات
 

منتدى التراث والحضارات انجازات ملموسة قدمتها المجتمعات في شتى مظاهر الحياة ، حضارات ، تراث الشعوب

إضافة رد إنشاء موضوع جديد
         
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13-04-07
Claude_Mah Claude_Mah غير متواجد حالياً
كفربو
 
تاريخ التسجيل: Feb 2007
المشاركات: 2,241
قوة السمعة: 10
Claude_Mah is on a distinguished road
افتراضي المسيحية في حلب في العهدين الروماني والبيزنطي

المسيحية في حلب في العهدين الروماني والبيزنطي


بقلم: الأرشمندريت اغناطيوس ديك
نشأة المسيحية في حلب
إن كان المسيح ولد في بيت لحم فالمسيحية انتشرت وترعرعت في سورية. يذكر سفر أعمال الرسل بإسهاب جماعة المسيحيين في دمشق وانطاكية بضع سنوات بعد قيامة المسيح: "وفي انطاكية أولاً دعي التلاميذ مسيحيين" وامتدّت المسيحية إلى سائر أنحاء سورية منذ القرن الأول للميلاد. ويشير المؤرّخ ميخائيل السرياني إلى تقليد يعزو إلى الرسول سمعان الغيور تبشير منطقتي حلب ومنبج.
إن الوثائق القديمة، وهي نادرة، لا تأتي على ذكر الجماعة المسيحية في حلب في القرون الثلاثة الأولى إنما الازدهار الذي نلحظه في القرن الرابع ينمّ عن جماعة متأصلة منذ القديم.
كانت المسيحية غير معترف بها من قِبَل الدولة الرومانية الوثنية، وكان المسيحيون ملاحقون ويفضّلون الموت على نكران إيمانهم المسيحي. ويعدّ الشهداء في سائر أنحاء العالم بمئات الألوف، ومن أشهر الشهداء في جوار حلب القديسان سرجيوس وباخوس وكانا ضابطين رومانيين في موقع مسكنة واستشهدا في الرصافة وبُنيَت على ضريحهما كنيسة فخمة لا تزال آثارها قائمة. والقديسان قزما وداميانوس وكانا طبيبان من أصل عربي استشهدا وبُنيَت كنيسة على اسمهما في مدينة قورش (نبي هوري).
إن أب التاريخ الكنسي أوسابيوس رئيس أساقفة قيصرية فلسطين الذي عاصر الاضطهاد الكبير للامبراطور ديوقلسيانوس، والانفراج الذي حققه قسطنطين الملك هو مصدرنا شبه الأوحد لمعرفة القرون الثلاثة الأولى، وهو لا يأتي على ذكر الجماعة المسيحية في حلب بل يركّز على العاصمة انطاكية التي كانت تدور حلب في فلكها. ويأتي على ذكر أسقف انطاكية القديس أغناطيوس الذي استشهد في عهد تراجان وخلّف لنا رسائل شهيرة. والقديس ثاوفليوس الذي ألّف دفاعاً ضدّ الوثنيين في القرن الثاني، والقديس الشهيد بابيلاس الذي تصدّى للامبراطور فيليب العربي ومنعه دخول الكنيسة لوصوله إلى الحكم بانقلاب دموي واستشهد على عهد الامبراطور داقيوس عام 250 وأصبح قبره مزاراً في منطقة دافني (الحربيات). وصنيعة الملكة زنوبيا بولس السميساطي الذي شطّ عن الإيمان، وعُقِد مجمعان في انطاكية ضمّا أساقفة سورية وقبادوقيا لإدانته. وتمسّك بمنصبه متذرّعاً بحماية زنوبيا إلى أن أزاحه الامبراطور اوريليانوس بعد تغلبه عليها. وكانت انطاكية مركزاً ثقافياً هاماً مع الكاهن لوقيانوس مفسّر الكتاب المقدس الذي استشهد إبان الاضطهاد الكبير في مطلع القرن الرابع.
وعند اندلاع الأزمة الأريوسية كان رئيس أساقفة انطاكية اوسطاثيوس الذي عارض آريوس وحضر المجمع النيقاوي الأول عام 325 وحاك له الآريوسيون المؤامرات ونفاه الملك قسطنطين عام 330 وعانت كنيسة انطاكية من انقسامات داخلية من جراء ذلك طيلة القرن الرابع.
وكان أوسطاثيوس قبل تسلمه زمام الكرسي الانطاكي عام 324 خلفاً لفيلوغونوس أسقفاً على حلب (بيرية)، وقد راسله رئيس أساقفة الاسكندرية إذ كان لا يزال أسقفاً على بيرية، كما راسل فيلوغونوس رئيس أساقفة انطاكية ليطلعهما على مسألة آريوس قبل أن تتفاقم ( ثاوذوريطوس، التاريخ الكنسي 1/3 مجموعة الآباء اليونان "مين" مجلد 82 عامود 909). وهو أول أسقف لحلب ترك لنا التاريخ اسمه ولا ندري في أي سنة استلم منصبه الأسقفي. ولا شك أنه تعاقب على المدينة قبله أساقفة كثيرون لم يرد اسمهم في الوثائق وتبدو الجماعة المسيحية مزدهرة في حلب في أواسط القرن الرابع مما يدل على أن الجماعة متأصلة فيها منذ القديم.
جوليانوس الجاحد في حلب:
استلم جوليانوس الجاحد الحكم أواخر عام 360 وهو في ريعان الشباب وكان تنكّر للديانة المسيحية وأعاد تعزيز الديانة الوثنية الرومانية. ومرّ في حلب عام 363 قادماً من انطاكية وهو في طريقه إلى محاربة الفرس.
وغضب عندما رأى مستقبليه أعضاء المجلس البلدي الحلبي كلهم مسيحيين وقبل دخول المدينة خطب فيهم مندّداً بالديانة المسيحية راجياً منهم العودة إلى الوثنية فلم يكن جواب مستقبليه إلا الصمت الكامل وعدم الإذعان له وحدث أثناء وجوده في حلب أن شاباً من المدينة ارتدّ للوثنية إرضاءً للإمبراطور فاستاء والده المسيحي وطرده من منزله رغم وجود جوليانوس في المدينة وحرمه من الإرث فما كان من الإمبراطور إلا أن تبناه. وحدثت مشادة بين والد الشاب والإمبراطور فنفي الوالد إلى الصحراء. ثم غادر جوليانوس حلب ولم يمكث فيها طويلاً وعلائم الاستيلاء ظاهر عليه[1].وتوجه إلى الجبهة لمحاربة الفرس فأصابه سهم قاتل فمات. وهو ينادي: "لقد غلبتني أيها الجليلي".
أساقفة حلب في القرن الرابع:
بعد أن انتقل اوسطاثيوس من كرسي حلب إلى الكرسي الانطاكي عام 324 ظلّ كرسي حلب شاغراً فترة ما ولم يردّ ذكر أسقف حلب في لائحة الأساقفة الموقّعين على المجمع النيقاوي (325).
ثم تعيّن المطران كيروس الذي تألّب عليه الاريوسيون وطردوه من كرسيه. وقد مدحه القديس اثناسيوس في كتاب دفاعه عن نفسه إذ يقول:" ألم تضئ مدينة انقرا بمرسلوس ومدينة بيريا أي حلب بكيروس؟ "
ومرّ فترة في حلب القديس ملاتيوس قبل أن يستلم الكرسي الانطاكي ويعيد إليه الإيمان الأرثوذكسي.
اناطوليوس اشترك في سينودس انطاكية عام 363 الذي عقد برئاسة القديس ملاتيوس.
ثاوذوتوس الذي راسله القديس باسيليوس الكبير شهير عصره رئيس أساقفة الكبادوك (375). وجاء بعده اكاكيوس الذي امتدت رئاسته حتى القرن الخامس والذي نعود إليه فيما بعد.
القديس باسيليوس الكبير وأبرشية حلب
القديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفة قيصرية الكبادوك من 370 إلى 379 والمدافع الكبير عن الإيمان الأرثوذكسي ضد الاريوسيين لم يزر حلب إنما ترك عدة رسائل تشيد بأسقف حلب وبإيمان الحلبيين، وقد زاره وفد من أبرشية حلب برئاسة الأرشمندريت اكاكيوس (والأرجح أنه هو الذي اعتلى في ما بعد كرسي حلب) وتعود هذه الرسائل إلى عام 375 أثناء حكم الامبراطور فالنس المدافع عن الاريوسية ورئاسة ثاوذوطوس لأبرشية حلب.
وكان هذا قد اشتهر بفضائله المسيحية وتقواه العظيمة. الرسالة رقم 185 من مجموعة رسائل القديس باسيليوس في مجموعة الآباء اليونانيين، مين. موجهة إلى ثاوذوطوس أسقف بيرياً أي حلب ويثني فيها باسيليوس على تقواه ويطلب إليه أن لا يقطع عنه المراسلة ومما يقول فيها: "إنك وإن كنت لا تكاتبني فمع ذلك ذكري لا يزال في قلبك ليس لأني أرى نفسي أهلاً لمصافاتك بل لأن نفسي بمصافاتك تستغني بوفرة محبتك."[2]
وفي أيام هذا الأسقف الفاضل، وجّه أيضاً القديس باسيليوس الكبير رسالتين إلى مؤمني حلب يمدح فيها ثباتهم في الإيمان ويشجّعهم على مواصلة خدمة الرب. وهذه هي الرسالة الأولى، جاءت في مجموعة مؤلفات القديس تحت عدد 221، وفي بعض النسخ وردت تحت عدد 280، وقد كتبت سنة 375:
"إلى أهل بيريا (حلب)
لقد سبقت معرفتنا لكم، يا أيها الأخوة المشتاق إليهم جداً، من تقواكم الذائعة شهرتها ومن الاكليل الذي وهبتموه باعترافكم بالمسيح. وقائل منكم يقول: من هو ذاك الذي حمل ذكر تقوانا إلى بلاد شاسعة البعد كهذه؟ هو الرب نفسه الذي يجعل أتقياءه أشبه بمصابيح على منارة يضيئون على العالم كله. اما يُشهر غار الظفر المجاهدين المنتصرين، وتنبئ مهارة العمل عن الفعلة ؟ وإذا كان الذكر يدوم إلى الأبد بسبب هذه الأمور وأشباهها، فالذين يعيشون بالتقوى حسب المسيح، أولئك الذين قال عنهم الرب نفسه: إني امجّد الذين مجّدوني، كيف لا يشهرهم ويذيع صيتهم لدى الجميع مُظهراً بهاء مجدهم فيتلألأ مع أشعة الشمس الساطعة ؟ ولقد ضاعفتم شوقنا إليكم برسائلكم، تلك الرسائل التي أظهرتم فيها، علاوة عن جهاداتكم السامية لأجل التقوى، ثباتاً متيناً وحياً في المدافعة عن الإيمان الحقيقي. فلذلك نفرح معكم ونضرع حتى أن رب الجميع الذي في سبيله الجهاد والنضال والذي منه الأكاليل، يملأكم حرارة ويهب نفوسكم القوة ويُبلغ عملكم إلى تمام القبول لديه"[3]
أما الرسالة الثانية (عدد 220 أو 298)، وهي أيضاً بتأريخ سنة 375، فهي هذه:
"إلى أهل بيريا (حلب)
لقد جعل الرب عزاءً عظيماً للذين لا يستطيعون أن يجتمعوا وجهاً لوجه إذ يتحادثون بالرسائل التي تشفّ لا عن صورة الجسد بل عن طبيعة النفس ذاتها. والآن بعد أن تناولنا رسائل تقواكم فعرفناكم ونشأت في قلبنا المحبة نحوكم، لا نحتاج إلى وقت طويل لكي ترسخ فينا ملكة محبتكم. ومن مضمون رسائلكم عينه التهبنا محبة بجمال نفوسكم. وعلاوة على رسالاتكم فإن رسلكم الإخوة بما هم عليه من الأهلية قد بيّنوا لنا حالتكم بأوفر جلاء. وذلك أن شريكنا في الكهنوت اكاكيوس الجزيل الحب والكلي التديّن إذ قد أورد لنا أشياء كثيرة غير التي كتبتموها، وإذ وضع نصب أعيننا جهادكم اليومي ومكافحتكم الشجيعة في سبيل التقوى، قد ولّد فينا إعجاباً هذا عظمه ورغبة هذه شدّتها للاشتراك بخيراتكم حتى إننا صرنا نطلب إلى الرب أن يهبنا وقتاً يتهيأ لنا فيه أن نختبر نحن بنفسنا أحوالكم. فقد اخبرنا ليس فقط عن جميل تصرّفكم أنتم الذين وُكِّلَ إليهم خدمة المذابح، بل أيضاً عن اتفاق كلمة كل الشعب وعن شرف آداب الذين يرأسون المدينة ويعنون بأمورها وعن حبهم الحقيقي للرب. ولذا فإني أطوّب كنيسة قوامها أناس مثل هؤلاء، وأطلب إليكم الآن بزيادة السكينة الروحية حتى إن ما تكونون قد قبلتموه وقت الجهاد تتمتّعون به وقت الراحة. ومن عادة الأمور الصعبة المزاولة أنها تولّد ملذّة لمن تذكّرها. أما بشأن الوقت الحاضر، فإنّي أحرّضكم لا أن تتراخوا في الجهاد وأن لا تكلّوا لمواصلة المشقات، فإن الإكليل قريب وقريبة أيضاً معونة الرب، فاحذروا أن تضيعوا أتعابكم السالفة. ولا تظنّوا أن تعبكم الذي ذاع صيته في العالم اجمع يذهب سدى. فالأحوال البشرية قصيرة جداً، إذ كل بشرة عشب، وكل مجد الإنسان كزهرة العشب. فالعشب قد يبس وزهره قد سقط، أما كلمة الرب فتدوم إلى الأبد. فلنزدرِ بصورة الأمور الحاضرة متمسّكين بالحقيقة الدائمة. فإن مثلكم قد ثبّت كنائس كثيرة. وقد أحرزتم لأنفسكم من حيث لا تدرون ثواباً عظيماً، إذ أنكم (بعملكم) تدعون الجهلاء إلى مباراتكم، فالمُثيب غني، وهو قادر أن يهبكم مكافأة لائقة بجهاداتكم."[4]
القديس ايرونيموس في جهات حلب حلب معقل ملّة الناصرين:_
القديس ايرونيموس عالم غربي قدم إلى الشرق وتضلّع من اللغتين اليونانية والعبرانية وترجم الأسفار المقدسة إلى اللغة اللاتينية وترجمته هي المعتمدة في الكنيسة الغربية (الفولكاتا). ولد عام 342 في مقاطعة دلماتيا (كرواتيا). نسك في صحراء قنسرين في جوار حلب من 375 إلى 378. ولم ترق له كثيراً الحياة النسكية السورية، وكان رجلاً مثقفاً فانكبّ على الدراسة وتعلّم العبرية على يد راهب يهودي متنصّر. وفي هذه الحقبة اتصل بملّة الناصريين في حلب وأخذ عنهم الإنجيل حسب العبرانيين، المكتوب بخط آرامي، والذي ترجمه فيما بعد إلى اليونانية واللاتينية.
والناصريون هم مسيحيون من أصل يهودي يحافظون على الشريعة الموسوية ويؤمنون بألوهية المسيح. ولما تشتّتوا بعد نكبة اليهود في فلسطين على أيدي الرومان نزح قسم منهم إلى حلب، ويأتي على ذكرهم القديس ابيفانيوس[5] ويستشفّ من المصادر أن حلب كانت تشتمل على جالية يهودية قديمة. وأقدم مخطوط للتوراة كان محفوظاً في كنيس حلب. ثم أن ايرونيموس غادر حلب إلى القطسنطينية حيث تعرّف شخصياً على القديس غريغوريوس اللاهوتي، والقديس غريغوريوس النيصي شقيق باسيليوس الكبير. وعاد إلى انطاكية لفترة حيث رسم كاهناً (378-382) ثم عاد إلى رومة وأخيراً أنهى حياته في بيت لحم حيث أكمل دراساته وترجماته وتوفي عام 420.
المطران اكاكيوس 378-432
أشهر أساقفة حلب في تلك الحقبة اكاكيوس أو آقاق الذي رئس كرسي حلب أكثر من نصف قرن وعاش مئة وعشر سنوات وعاصر أهم الأحداث الكنسية من المجمع القسطنطيني الأول (381) حتى المجمع الأفسسي (431).
ولد نحو عام 322 ومارس الحياة النسكية والرهبانية في منطقة انطاكية قرب جندارس. وزار القديس باسيليوس الكبير على رأس وفد أكليريوس حلب.
وعام 378 سامه اوسابيوس الصميصاتي أسقفاً على كرسي حلب. وشارك في السينودس الذي عقده ملاتيوس الانطاكي ربيع 379 لتوضيح العقيدة الأرثوذكسية، ورئس الوفد الذي توجّه إلى رومة لنقل أعمال السينودس إلى البابا داماسيوس. وشارك عام 381 في المجمع القسطنطيني الأول (المسكوني الثاني) الذي توفّي أثناءه ملاتيوس الانطاكي. وشارك في سيامة خلفه فلابيانوس وتوتّرت من جراء ذلك علاقته مع البابا داماسيوس[6].
وعام 398 لما انتخب يوحنا الذهبي الفم لكرسي القسطنطينية (وهو ربيب ملاتيوس وفلافيانوس) أوفد فلافيانوس الانطاكي اكاكيوس مطران حلب ليمثله في حفلة التنصيب. ثم تألّب اكاكيوس على الذهبي الفم وناصر خصومه الذين عملوا على إدانته ونفيه، ثم تصالح معه بعد تدخّل البابا اينوشنسيوس الأول.
أدار اكاكيوس أبرشيته بحكمة واكتسب تقدير الجميع، وكان المؤرخ ثاوذوريطوس أسقف قورش يكنّ له اعتباراً كبيراً ويتردّد عليه لاستقاء المعلومات وهو أي اكاكيوس يكبره بسبعين سنة. أتى على ذكره في كتابه تاريخ أصفياء الله: إن استيريوس بدافع من النعمة الإلهية، ولكي يدرّب الكثيرين غيره في هذه الفضيلة نفسها، قام بنقل ميدان تدريبه النسكي إلى نواحي جندارس وهي بلدة كبيرة في ضواحي انطاكية، فجذب إليه الكثيرين من أبطال الفلسفة المسيحية وخصوصاً اكاكيوس العظيم. وأؤكّد أنه هو اكاكيوس الشهير ذاك الذي لمع أولاً في الحياة النسكية، ثم انتشرت أشعة فضائله الباهرة لما تشرّف برئاسة الكهنوت، وأسندت إليه رعاية مدينة بيرية (حلب). وفي مدة الثماني والخمسين سنة التي في أثنائها أمسك بيده زمام رعاية هذا القطيع لم يهمل سيرته النسكية بل أضاف الفضائل المدنية إلى الفضائل النسكية وفي محافظته على صرامة هذه ومرونة تلك جمع بين المتناقضات.[7]
ولما كان اكاكيوس ناسكاً في جنداريس جاءه الكاهنان فلابيانوس وذيوذوروس القائمان على إدارة كنيسة انطاكية (وكان ملاتيوس منفّياً) يطلبان منه التوسط لدى الراهب القديس يوليانوس ليأتي إلى انطاكية ويوطّد إيمان الشعب إذ كان الامبراطور فالنس يساند الاريوسيين. فأقنع كاكيوس يوليانوس وجاء به إلى انطاكية وقضى فيها فترة وأجرى فيها عدة معجزات ويقول ثاوذوريطوس: إني قد تسلّمت هذه الحوادث عن اكاكيوس العظيم الحافظ بدقة كل ما يتعلّق بيوليانوس[8]. وعند سيرة اوسابيوس التلعدي يقول ثاوذوريطوس: قد أخذت هذه المعلومات من الكثيرين الذين عرفوه وحفظوا بتدقيق ما يختصّ به. وقد روى لي ذلك أيضاً اكاكيوس الشيخ العظيم الذي سبق أن تكلّمنا عنه في أحاديثنا السابقة[9]. وفي روايته لما حدث للناسك يعقوب القورشي تلميذ مار مارون يقول: "ثم أتى أحدهم إلى بيرية حيث كنت موجوداً ليخبرني بما حدث ويعلمني بنبأ وفاته. فقمت للحال على عجل وبعد مسيرة ليلة كاملة من السفر كنت في حضرة رجل الله الذي لم يكن ينبس بكلمة ولا يتمكن من معرفة أحد ممن كانوا حوله. ومع ذلك لما وجهت إليه الكلام وبلغته أماني اكاكيوس العظيم له فتح عينيه للحال وسألني كيف حاله وأراد أن يعرف أيضاً متى وصلت إليه.[10]
كان ثاوذوريطوس يتردد كثيراً إلى بيرية (حلب) ليلتقي أسقفها اكاكيوس الذي كان يكن له كل تقدير ويستقي منه المعلومات. وهذا النفوذ استخدمه اكاكيوس ليهدئ الأمور عقب مجمع أفسس ويقنع ثاوذوريطوس بمصالحة القديس كيرلس الاسكندري. عقد مجمع أفسس عام 431 ليحلّ الخلاف العقائدي الذي نشب بين كيرلس الاسكندري ونسطوريوس القسطنطيني (وهو انطاكي المنشأ) وكان العديد من الأساقفة الانطاكيين ومنهم ثاوذوريطوس يتعاطفون مع نسطوريوس ويحاولون تفسير تعليمه بشكل أرثوذكسي. ولما عقد المجمع وكان يديره كيرلس الاسكندري لم يتمكّن الانطاكيون من اسماع صوتهم وانفصلوا عن القديس كيرلس وأتباعه. كان اكاكيوس دعي إلى المجمع ولم يتمكن من الحضور لكبر سنه ومثّله بولس أسقف حمص إنما كان اكاكيوس له دور كبير عقب المجمع لرأب الصدع وإعادة الصلح، وكلّفه الامبراطور رسمياً بذلك لأنه لم يكن قد تورّط في النزاع وحافظ على صداقة كل من كيرلس رئيس أساقفة الاسكندرية ويوحنا رئيس أساقفة انطاكية. وبعد المداولات تمّ الاتفاق بين كيرلس ويوحنا الانطاكي في مطلع عام 433 وقبل يوحنا إدانة نسطوريوس، وقَبِل كيرلس القول بالطبيعتين في المسيح، وتوفي اكاكيوس في هذه الأثناء.
وكان متقشّفاً في عيشه محافظاً على القوانين الربانية. وقد امتدح المؤرخ سوزومينوس فضيلته بحماس إذ قال عنه: إنه كان مثالاً لكل منقبة في كل مدة اسقفيته، وكان مضيافاً يقبل الغرباء والزائرين في أي وقت حلّوا فيه حتى أنه لم يكد يبقى له وقت للأكل والنوم، وإنه كان يقظاً على محاربة نفسه. وقد مدحه أساقفة الشرق الملتئمون في مجمع أفسس (431) بكتاب أرسلوه إلى الامبراطور ثاوذوسيوس يقولون فيه عنه أنه محبوب جداً وذو قداسة عظيمة. ولم يبق لنا منه سوى بعض رسالات.[11]
العلاّمة ثاوذوريطوس والحلبيين:
ثاوذوريطوس أسقف قورش من ألمع الكتّاب واللاهوتيين الانطاكيين. ولِد في انطاكية حوالي عام 393 من أسرة عريقة، وتضلّع في العلوم والآداب اليونانية وكان يفهم السريانية. مارس الحياة الرهبانية في منطقة أفاميا (دير نقرتة)، واستلم زمام أبرشية كورش عام 423، ولعب دوراً كبيراً في المناقشات اللاهوتية في مجمعي أفسس وخلقيدونيا. له مؤلفات عديدة أهمها تاريخ أصفياء الله (تاريخ الرهبان في سورية) والتاريخ الكنسي، وكانت تربطه باكاكيوس مطران حلب مودّة كبيرة ويتردّد عليه كما رأينا.
وفي كتابه أصفياء الله يورد بعض الأحداث تثبت روح التقوى التي تميّز بها الحلبيون منذ القدم والتي شهد لهم بها القديس باسيليوس الكبير كما رأينا.
جاء في الفصل 3 رقم 9 في ترجمته للراهب مرقيانوس القورشي:
إن رجلاً من الأشراف كان قد تولّى مراراً عديدة قيادة الجيش، أصله من بيرية سوريا (حلب) وكانت له ابنة استولى عليها شيطان خبيث بسبب طيشها. فكانت من جرّاء ذلك تضطرب وتتهيج تهيّج المصابين بالكَلَب، فانطلق هذا إلى الصحراء بدافع من صداقته لمرقيانوس قاصداً أن يقابله ويلتمس منه النجدة نظراً لعلاقتهما الودية السابقة. ولكن، لما خاب أمله بسبب منعه من مشاهدة رجل الله، توسّل إلى شيخ كان يقوم في ذلك الوقت بخدمة خادم الله أن يستل منه حنجوراً مملوءاً زيتاً ويضعه أمام باب صومعته. لكنّ الشيخ كان يرفض تلبية طلب الرجل، أخيراً قَبِل ملتمسه للتخلص من إلحاحه. غير أن مرقيانوس الذي سمع وقع أقدامه، سأل عمّن يكون القادم إليه وما هي الغاية من مجيئه. لكن الشيخ، لكي يخفي الحقيقة قال: "جئت لأرى هل تريد مني شيئاً". قال هذا وقَفِل راجعاً. وفي صباح اليوم التالي، أقبل والد الصبية من جديد يطلب الحنجور. فاضطر الشيخ، رغم مخاوفه، أن يمشي رويداً رويداً ثم مدّيده وتناول الحنجور محاولاً أن لا يشعر به أحد. لكن مرقيانوس سأله أيضاً عن سبب مجيئه. ولمّا أجابه بما كان جوابه في عشية الليلة الماضية، غضب رجل الله لأن مجيء الشيخ على خلاف عادته وأمره بأن يقول الحقيقة. فخاف الشيخ واضطرب وشعر بأنه لا يستطيع أن يُخفي شيئاً عن هذا الرجل الممتلئ من النعمة الإلهية، فقال له من هو الرجل الآتي إليه وأطلعه على المأساة التي يعانيها وأراه الحنجور. فغضب رجل الله تجاه هذه المخالفة، لأنه كعادته لا يريد أن تنكشف فضيلته. ثم هدّده بأنه سيتخلّى عن عشرته إذا تجاسر على تكرار فعلته هذه فيفصله عن خدمته وهذا كان العقاب الأعظم في حق من عرفوا فائدة البقاء معه ومع ذلك فقد صرفه بعد أن أمره بأن يردّ الحنجور إلى صاحبه.
وفيما كان مرقيانوس يُعطي هذا الأمر، كان الشيطان في بيرية، على بُعد مسافة أربعة أيام يصرخ متألماً من قدرة مضطهده، لأنه كان يعمل في بيرية ضد الشيطان كمن يستخدم منفّذين لأمره. فأزال المحنة وجعل الفتاة في مأمن من فِعل الشيطان وأن أباها قد عرف ذلك بتدقيق وهو في طريق عودته إلى المدينة على بُعد غلوات حيث التقاه أحد غلمانه الموفد من قِبَل سيدّته لملاقاته. فلدى مشاهدته سيّده أخبره بالأعجوبة وقال أنها حصلت منذ أربعة أيام. فأخذ الرجل يعدّ الأيام الماضية ويدقّق في الوقت، فاتضح له أن ذلك قد حدث عندما سلّمه الشيخ الحنجور.[12]
يتبع .....
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 13-04-07
Claude_Mah Claude_Mah غير متواجد حالياً
كفربو
 
تاريخ التسجيل: Feb 2007
المشاركات: 2,241
قوة السمعة: 10
Claude_Mah is on a distinguished road
افتراضي رد: المسيحية في حلب في العهدين الروماني والبيزنطي

تكملة الموضوع :
مارانا وكيرا
يورد ثاوذوريطوس فصلاً خاصاً، الفصل 29 لسيرة ناسكتين حلبيتين نسكتا خارج أبواب المدينة بين باب انطاكية وباب جنين:
1- أصلهما وطريقة حياتهما: بعد أن كتبتُ سيرة حياة أولئك الرجال الأبطال، أرى مفيداً أن أجعل ذكراً للنساء اللواتي جاهدن هنّ أيضاً بعزيمة ليست في شيء أقل من عزائم أولئك، لأنهنّ رغم طبيعتهنّ الضعيفة قد أظهرن من البسالة ما يُضاهي شجاعة الرجال. وبذلك قد حرّرن جنسهنّ من عارهنّ التقليدي.
2- وأبدأ بذكر مارانا وكيرا اللتين تفوّقتا على جميع النساء ببطولتهما في الجهاد. بيرية (حلب) هي مدينتهما. وطبقتهما هي المثلى فيها. وتربيتهما كذلك. ولكنّهما قد تخلّتا عن هذا كله وجعلتا لهما حصناً صغيراً عند مدخل المدينة وأوصدتا الباب بالطين والحجارة. وكانتا قد اصطحبتا معهما خادماتهما الفتيات اللواتي رغبن في العيش على طريقتهما، وشيّدتا لهنّ ديراً صغيراً خارجاً عن حصنهما وأوعزتا إليهن أن يعشن فيه. ثم صارتا تطلاّن عليهنّ من نافذة صغيرة وتدعيانهنّ مراراً إلى الصلاة فتُضرمان فيهنّ نار المحبة الإلهية. أما هما فتعيشان في الهواء الطلق دون غرفة ولا كوخ.
3- معاطاتهما مع الزوار: وقد هيأتا نافذة عوض الباب يصل إليهما الطعام الضروري بواسطتها وتُخاطبان منها النساء الآتيات لزيارتهما. لكنّ هذه الزيارات لا يُسمح بها إلا في زمن العنصرة فقط. أما في سائر أوقاتهما فهما تلتزمان ممارسة حياة الهدوء. ومارانا وحدها هي تتولّى المعاطاة مع الزائرات، لأن الأخرى لم يسمعها أحد قط تتكلّم.
4- إماتتهما بشهادة المؤلف: وهما ترزحان تحت عبء الأثقال الحديدية، حتى ان كيرا وهي الأضعف يبقى جسمها كلّه منحنياً نحو الأرض فلا تستطيع أن تنتصب البتة. وهما ترتديان ثياباً طويلة جداً يجرّانها وراءهما على الأرض فتستر الرجلين تماماً. أما من الأمام فهي تنحدر حتى الخصر فتحجب منهما الوجه والعنق والصدر واليدين.
5- وقد شاهدتهما مراراً وأنا في داخل ذلك المعبر الذي كانتا تأمران بفتحه لي إكراماً لدرجتي الأسقفية. ومن ثم رأيتهما وهما تحملان من الأثقال الحديدية ما يعجز عن حمله رجل معافى. ولكثرة لجاجتي توصلت إلى إقناعهما بالتخلّي عنها في أثناء حضوري. ولكنهما بعد ذهابي كانتا تعودان إلى إرجاع تلك الأثقال إلى محلّها في الجسم: الطوق الحديدي في العنق والزنار في الخصر والباقي في الذراعين والرجلين.
6- موضوع تأملهما: وهما تسيران على هذه الطريقة من العيش ليس منذ خمس سنوات أو عشر أو خمس عشرة فحسب، بل منذ اثنين وأربعين سنة أيضاً. وهما، وقد مضى عليهما كل هذه المدة في الجهاد لا تزال حرارتهما فيه على ما كانت في البدء. فهما تتأملان في جمال العريس الإلهي فتتحملان بكثير من الارتياح وبسهولة أكثر أتعاب مسيرتهما وتتطلعان بفروغ الصبر إلى غاية جهادهما حيث تشاهدان حبيبهما واقفاً ينتظرهما وهو يلوّح لهما بإكليل الظفر. ولهذا السبب هما تتقبّلان سقوط المطر والثلج عليهما وحرارة الشمس دون ما حزن أو تذمّر، بل هما تجنيان تعزية في وسط هذه العوارض التي تبدو أنها مزعجة لا تطاق.
7- زيارتهما للقدس ولقبر القديسة تقلا: واقتداء منهما بصوم موسى، قصدتا الامتناع عن تناول الطعام ثلاث مرات لمدة طويلة على مثاله، ففي أثنائها لم تتناولا شيئاً من الطعام إلا بعد مضي أربعين يوماً. وقررتا أن تصوما صوم دانيال الإلهي لمدة ثلاثة أسابيع ثم أعطيتا طعاماً لجسدهما. وخطر لهما يوماً أن تشاهدا الاماكن المقدسة بآلام المسيح الخلاصية، فأسرعتا نحو آليا (القدس) دون أن تأكلا شيئاً في الطريق، ولكنهما لدى وصولهما إلى المدينة المقدسة واتمام مراسيم العبادة، تناولتا طعاماً، ثم قفلتا راجعتين دون طعام، من سفر اقتضى له عشرون يوماً من السير. ثم أيضاً تلبية لرغبتهما في أن تشاهدا ضريح تقلا المظفّرة في ايصورية فتضرما في المنازل نار المحبة الإلهية، راحتا إلى هناك صائمتين ذهاباً وإياباً بدافع من العشق الإلهي الذي أخرجهما عن ذاتهما وجعلهما تجنّان في محبة عروسهما الإلهي.
وعليه، لما غدتا بسيرتهما هذه زينة لجنس النساء ومثالاً لهن جميعاً، فإن الرب قد هيأ لهما أكلة الظفر. أما أنا وقد بيّنت الفوائد المجتناة من ذلك، فبعد أن حظيت ببركتهما، أنتقل بالكلام إلى سيرة أخرى. ( تاريخ أصفياء الله صفحة 231 232).
وذكر البطريرك مكاريوس الحلبي المتوفى عام 1672 موقع دير الناسكتين في مقال له عن "أسامي أبرشيات وبلاد كثيرون من الناس لم يعرفوها" فقال: "وكانت بيرية أي حلب أسقفية ومنها ظهرت البارّتان مارانه وكوره. وإلى الآن ديرهما باق داخل باب الجنان وهو الآن خان ويدعى دار كوره.
هذا وقد أورد الدويهي أن مقام القديستين كورا ومارانا في حلب لا يزال معروفاً إلى يومنا هذا بدار كورا.
ويذكر الغزي في كتابه عن حلب خان كورا ولم يعد يجد تفسيراً لهذا الاسم سوى نسبته لأحد عملاء المعتضد على حلب: "وفي سنة 286 قلّد المعتضد حلب وقنسرين ولده ابا محمد المعروف بكوره الخراساني وإليه تنسب دار كوره داخل باب الجنان بحلب" (مجلد 3 ص 37).

القديس سمعان العمودي وتنصير القبائل العربية في جوار حلب
يورد ثاوذوريطوس سيرة القديس سمعان العمودي الذي عرفه شخصياً وكان يمرّ عند عموده كل ما توجّه من قورش إلى حلب. ويوضح الدور الكبير الذي لعبه القديس سمعان العمودي وهو على العمود في تنصير القبائل العربية في جوار حلب:
وليس ما أتينا على ذكره مجرّد أقوال تُشيد بصحة هذه الأمور، بل هي الأعمال نفسها تنادي بذلك بأعلى صوتها. فالاسماعيليون مثلاً المستعبَدون لعشرات الألوف من ظلمات الكفر، إن الإقامة على العمود هي التي أنارتهم.
فإن هذا المشعل الوضّاء كان قائماً نصب أعينهم بمثابة منارة يرسل كالشمس بأشعته إلى كل مكان. وكنت ترى، كما سبق وقلت، الايبيريين والأرمن والفرس مقبلين إليه ومقتبلين العماد على يده. أما الاسماعيليون القادمون إليه بالجملة، مئتان أو ثلاث معاً وأحياناًحتى الألف، فكانوا ينبذون ضلال آبائهم بصراخ قويّ ويحطمون تجاه هذا المشعل العظيم الأصنام التي كان آباؤهم يعبدونها ويحرّمون على أنفسهم تلك الولائم المقامة لأفروديت وكانوا قد اعتنقوا عبادة هذا الشيطان منذ أمد بعيد ثم يشتركون في الأسرار الإلهية ويتقبّلون الوصايا من هذا الفم المقدس قائلين الوداع لعادات آبائهم وممتنعين عن أكل حمار الوحش والجمل.
النزاعات الحاصلة حول العمود: وإن هؤلاء القوم قد رأيتهم بعيني وسمعتهم يرفضون كفر آبائهم ويتقبّلون تعليم الإنجيل حتى إني أنا نفسي قد تعرّضت مرة لخطر جسيم بسببهم، ذلك أن سمعان قد أوعز إليهم أن يتوجّهوا إليّ لينالوا البركة الكهنوتية فيحظون بذلك على فائدة عظمى. فانقضّوا عليّ كالبرابرة وصاروا يجرّوني بعضهم من الأمام وبعضهم من الخلف وغيرهم من هذه الجهة ومن تلك. أما البعيدون منهم فرغبة منهم في الوصول إليّ قبل غيرهم كانوا يبسطون أيديهم فيمسك هذا بلحيتي وغيره يجرّ إليه ثوبي، فكدت أختنق من جرّاء هذا الهجوم الفظيع لو لم يأخذ هو في الصراخ لكي يبدّدهم. هذا هو الخير الذي كان يتفجّر من هذا العمود الذي يسخر منه الساخرون. وهذا هو شعاع المعرفة الإلهية الذي بعثه سمعان في أذهان البرابرة.
وَلَدَيَّ رواية أخرى من هذا النوع عن هؤلاء القوم أنفسهم. فقد طلبتْ يوماً إحدى القبائل من سمعان أن يصلّي لأجل أميرها ويبارك عليه. فعارضتها قبيلة أخرى كانت حاضرة هناك وقالت: إن هذه البركة لا يمكن أن تكون موجّهة إلى ذلك الأمير، بل إلى أميرها هي، لأن ذاك متمرّس في الشرور وهذا لا غبار عليه. ثم قام جدال بينهما أدّى في النهاية إلى النزاع كما هي عادة البرابرة. فانقضّ بعضهم على البعض الآخر. وكنت أنا أحاول أن أنصحهم بكلام كثير أن يرتدّ بعضهم عن بعض، مبيناً أن الرجل لديه من البركة ما يكفي الفريقين. ولكن كل منهما ظلّ يرفض أن تكون بركة للفريق الآخر. حينئذ أخذ سمعان يهدّدهم من فوق وينعتهم بالكلاب. ولم يهدأ النزاع إلا بصعوبة كبرى. وانا لم أروِ هذا الحادث إلا لدلالته على روح الإيمان فيهم. فهم لم يكونوا قد تصرّفوا هكذا كالمجانين لولا إيمانهم بان بركة هذا الرجل الملهم لها قوّة عظمى.
شهرته في بلاد فارس: ورغم أن لدي الكثير من الحوادث في هذا المعنى يمكنني أن أرويها، فأنا أتخلّى عنها تجنباً لإطالة الحديث. وكفى بذلك دلالة على ما في ذهن سمعان من إشراقات روحية.
وإن شهرته كانت قد بلغت حتى بلاط العاهل الفارسي. وعلى ما يروي الوافدون من هناك إليه، أن الملك كان يُدقّق في السؤال عن طريقة حياة هذا الرجل وعن نوعية عجائبه. ويُقال أن امرأته أيضاً كانت قد طلبت زيتاً حائزاً على بركته وأنها تقبّلته بمثابة هدية فاخرة، وأن حاشية الملك كلّها كانت مأخوذة بشهرته رغم سماعها كل الافتراءات التي كان المجوس يروّجونها ضدّه فكانوا يدقّقون في السؤال عنه، ولما يطّلعون على حقيقته، كانوا ينعتونه بالرجل الإلهي. اما سائر الشعب فكانوا يلجأون إلى المكاريين وخدّام القصر والجنود ويرشونهم بالدراهم ليحظوا على بركة من زيت.
أميرة الاسماعيليين: كانت أميرة الاسماعيليين عاقراً وكانت ترغب في إنجاب البنين، فأوفدت إلى سمعان كبار الوجوه يسألون لها الأمومة. ولما استُجيبت طلبتها وولدت طفلاً بحسب رغبتها، حملت الأمير المولود وأتت به إلى رجل الله الشيخ. لكن لما كان الوصول إليه محرّماً على النساء، بعثت بالطفل إليه تلتمس بركته مع صلاته قائلة: "إن هذه الباقة هي لك. أجل أنني من جهتي قد حملت البذار الذي كانت تبتغيه صلاتي، لكنك أنت بصلاتك قد حوّلت البذار إلى باقة لما استجلبت عليه النعمة الإلهية". ( تاريخ أصفياء الله صفحة 214 217).
المعابد والكنيسة الكبرى في العهد البيزنطي
تمّ تنصير الريف السوري بفضل الرهبان منذ أواسط القرن الخامس وتشهد الكنائس التي لا تزال قائمة بالمئات في الجبال الكلسية بين حلب وانطاكية ومعرة النعمان بازدهار الحياة المسيحية ومستوى العيش في تلك المنطقة.
وإن مدينة حلب نفسها اندثرت فيها الوثنية في القرن الخامس وامتلأت كنائس ومعابد.
يقول ابن شداد وابن شحنة من بعده أنه كان في حلب قبل الفتح العربي لا أقل من سبعين كنيسة (الأعلاق الخطيرة ص 45 منشورات المعهد الفرنسي بدمشق للدراسات العربية دمشق 1953).
يرى بعضهم أن هذا العدد مبالغ فيه لكننا لا نستغربه لما تبيّن لنا من تقوى الحلبيين، ونظراً لأن المدينة كلها انتقلت شيئاً فشيئاً إلى المسيحية.
ظلّ عددٌ من هذه الكنائس بيد المسيحيين بضعة قرون بعد الفتح العربي، أما الكنائس الحالية فمستحدثة وأقدمها يعود إلى القرن الخامس عشر أو السادس عشر.
هل بوسعنا أن نعرف أسماء أو مواقع الكنائس التي تعود إلى العهد البيزنطي؟ لا شك أن أهم هذه الكنائس هي الكاتدرائية أو الكنيسة العظمى التي يبقى جزء من آثارها في المدرسة الحلوية غربي الجامع الكبير وبقيت بيد الملكيين حتى عام 1124.
ينسب المؤرخ ميخائيل الكبير بناء هذه الكنيسة إلى مطران حلب الشهير اكاكيوس (378-432) ولكن التنقيب عن الآثار المتبقية أظهر أنها من القرن السادس. فالامبراطور يوستينيانوس اعاد بناء الكنيسة بعد غزوة كسرى انو شروان (540) على طراز دائري شبيه بكاتدرائية بصرى. والكنيسة الأولى كانت تحويلاً لمعبد حدد الوثني. وقد يكون المطران اكاكيوس أشرف على البناء الأول. وكان في جوار الكاتدرائية دار المطران والدوائر ومدخلها من الجنوب من الشارع الكبير ذي العواميد الذي يقطع المدينة من باب انطاكية إلى القلعة.
يقول ابن شداد: كان النصارى يعظّمون هذا المذبح ويقصدونه من سائر البلاد، وكانت حمام موغان حماماً للهيكل وكان حوله قريباً من مائتي قلاية تنظر إليه، وكان في وسطه كرسي ارتفاعه أحد عشر ذراعاً من الرخام الملكي الأبيض، ويقول في ذكر الجامع الذي بُني في جوار الكنيسة: "كان موضع الجامع بستاناً للكنيسة العظمى في أيام الروم ولما فتح المسلمون حلب صالحوا أهلها على موضوع المسجد الجامع وإلى الجهة الشمالية للجامع كانت مقبرة للكنيسة المذكورة".
يقول المطران ناوفيطوس أدلبي بعدما استشهد بأقوال ابن شداد في دراسته عن الكنيسة العظمى أو كاتدرائية حلب البيزنطية:
هذه النصوص تضفي أنواراً جديدة على ما أوردناه سابقاً، وتمكنا من استخلاص الاستنتاجات التالية فيما يخصّ موقع الكنيسة العظمى من الجامع الكبير، فنقول:
إن موضع الجامع الكبير كان على زمن الروم، أي قبل الفتح العربي، بستاناً للكنيسة العظمى، بل أن الجزء الشمالي من الجامع كان مقبرة للكنيسة المذكورة. فالعرب إذاً عند فتحهم المدينة لم يحتلّوا الكنيسة العظمى، بل اكتفوا ببناء جامعهم غربي الكنيسة، في ما كان يعرف قديماً بساحة المدينة أو (الاغورا) ثم تحوّل رويداً رويداً إلى باحة للكنيسة، فخصّص الجزء الشمالي منها مقبرة، وبقي الجزء الجنوبي بستاناً.
وعلى هذا الأساس نستطيع ان نعود فنتصوّر، مع المهندس ايكوشار، كيف كان وضع الكنيسة العظمى والمطرانية المجاورة لها عشية الفتح العربي ، فنجد أن الكنيسة كانت تحتلّ قلب المدينة الهلنستية، وتشكّل الجانب الغربي من "الاغورا" بينما تحوّلت بقية الساحة إلى مقبرة وبستان. وكان المؤمنون يفدون إلى الكنيسة خصوصاً من الشارع العريض الذي يخترق المدينة على طولها، من باب انطاكية إلى القلعة، أو يدخلونها من أحد الشوارع الضيقة المجاورة. فإن مدخل الكنيسة الرئيسي كان إلى الغرب، متفرعاً من أحد الشوارع العريضة. فيجد الوافد إلى الكنيسة من الغرب باحة مستطيلة الشكل تحيط بها الأروقة والأعمدة على جهاتها الأربع. ثم تأتي الكنيسة بشكلها المستدير الذي وصفناه. أما المذبح فكان في حنية خاصة به موجهة إلى الشرق، تحيط به قاعتان، الواحدة لتقدمة القرابين، والأخرى للآنية المقدسة ولباس خدّام الهيكل. أما دار المطرانية فقد تكون جنوبي الكنيسة أو شماليها.
يتبع ........
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 13-04-07
Claude_Mah Claude_Mah غير متواجد حالياً
كفربو
 
تاريخ التسجيل: Feb 2007
المشاركات: 2,241
قوة السمعة: 10
Claude_Mah is on a distinguished road
افتراضي رد: المسيحية في حلب في العهدين الروماني والبيزنطي

تكملة الموضوع :
معلومات إضافية عن هندسة الكنيسة
1- ممرّ معقود بين الكنيسة والمذبح: يحدّثنا ابن شداد في النص الذي أوردناه سابقاً عن "ساباط معقود البناء تحت الأرض" يصل الهيكل، أي جسم الكنيسة، بالمذبح أي بقدس الأقداس. فهذا "الساباط المعقود" يذكّرنا بحنية مذبح كاتدارئية بصرى، وهي حنية معقودة ومستطيلة الشكل، تربط بين الهيكل والمذبح. أما أن يكون هذا الساباط تحت الأرض، على زمن ابن شداد، أي بعد هدم الجزء الأكبر من الكنيسة فلا غرابة فيه، إذ أن مستوى أرض الكنيسة العظمى، في وضعه الأصلي، كما قلنا، هو أسفل بثلاثة أمتار على الأقل من مستوى باحة الجامع الكبير. وأن الركائز والأعمدة التي نجدها اليوم في مسجد المدرسة الحلاوية هي منغمسة في الأرض بثلاثة أمتار على الأقل، ولذلك لا تشاهد العين قواعدها.
2- ملحقات الكنيسة: ويحدّثنا ابن شداد أيضاً فيقول أنه "كان حول (الهيكل) قريباً من مائتي قلاية تنظر إليه". القلاية كلمة يونانية تعني غرفة صغيرة لسكن رجال الدين. وقد حاول المهندس ايكوشار عبثاً أن يفسّر هذه العبارة وكأن المئتي قلاية المذكورة تشكل كراسي لجلوس رجال الدين حول المذبح أثناء الاحتفالات الدينية. وقد أخطأ في تفسيره هذا. فإن القلاية لا تعني كرسياً، بل غرفة. وعلى كل حال فوجود مئتي كرسي حول المذبح أمر غير مقبول، لأنه ليس من المعقول أن يجلس حول المذبح مئتا كاهن أو شماس. فلا بد من القول إذاً بأنه كانت تقوم حول الهيكل، أي حول الكنيسة، من كافة أطرافها، أبنية ضخمة لاستعمال رجال الدين أو لخدمة المشاريع الكنسية، تحتوي على نحو مئتي غرفة أو قاعة. وهذا أمر معقول ومعتاد، لأن الكنائس الكاتدرائية في العهد البيزنطي وما بعده حاولت أن تجمع حولها أبنية ضخمة، لا لسكن رجال الاكليروس فحسب، بل لشتى المشاريع الاجتماعية التي كانت الكنيسة تقوم بها.

3- كرسي المطران: يقول ابن شداد أنه "كان في وسط الهيكل (أي الكنيسة) كرسي ارتفاعه أحد عشر ذراعاً من الرخام الملكي الأبيض". إذا صحّ هذا القول، يكون هذا الكرسي الرخامي عرش الأسقف، وارتفاعه 5.20 متراً. أما موقعه في وسط الكنيسة فلا غرابة فيه، لأن الأسقف، في الجزء الأول من الليتورجية، أي في "خدمة الكلمة" كان يجلس على المنبر القائم في وسط الكنيسة، ويعرف "بالبيما" لكي يكون قريباً من الشعب، يحيط به رجال الكهنوت، ثم يدخل قدس الأقداس لكي يقدّم القرابين في الجزء الثاني من الليتورجية، المعروف "بخدمة القرابين".
4- ماذا كان حجم الكنيسة ؟ إذا انطلقنا من المخطّط الذي وضعه المهندس ايكوشار على أساس تنظيم شوارع المدينة في العهد الهلنستي، وجدنا أن قطر الكنيسة المستديرة من الداخل يبلغ 27 متراً. فإذا أضفنا الحنية الشرقية، التي تحتوي على قدس الأقداس والمذبح، أصبح طول الكنيسة من الشرق إلى الغرب 36 متراً، باعتبار أن طول النرتكس 9 أمتار. لكنه كان للكنيسة عند مدخلها من جهة الغرب باحة مستطيلة بطول 24 متراً على عرض 30، محاطة بأربعة أروقة مسقوفة، تتقدمها أعمدة عالية مع تيجانها، وكأني بها قطعة واحدة مع الكنيسة. وبهذا الحال يصبح طول "الحرم الكبير"، كما دعاه العرب، أي مجموع الكنيسة والنرتكس والباحة الأمامية من الغرب إلى الشرق 60 متراً بعرض 30.
ويستدل من رواية السرياني المجهول ومن قصيدة للشاعر الصنوبري معاصر سيف الدولة أن "الكنيسة الكبرى" كانت على اسم السيدة العذراء.
ونتمنى مع المطران ادلبي أن يتسنّى يوماً لمصلحة الآثار بالاتفاق مع وزارة الأوقاف الإسلامية أن تُجري تنقيباً واسعاً في المدرسة الحلاوية بالطريقة العلمية الحديثة فتكتشف ولا شك الشيء الكثير من بقايا هذا البناء الجميل الذي يعتبر بحقّ أقدم أثر عمراني في حلب.
علاوة على الكاتدرائية البيزنطية هناك آثار لكنائس كانت مشيّدة في القلعة على أنقاض المعابد الوثنية وظلّت بيد المسيحيين إلى أن أصبحت القلعة مسكناً للأمراء ومقراً للحامية في عهد بني مرداس.
قال ابن شداد في حديثه عن قلعة حلب: "كان بالقلعة كنيستان إحداهما كانت قبل أن تبنى مذبحاً لإبراهيم الخليل وكان به صخرة يجلس عليها لحلب المواشي ثم بني مسجداً جامعاً في أيام بني مرداس وكان يعرف بمقام إبراهيم الأعلى. وأما الكنيسة الأخرى فهي المقام الأسفل الذي كان لإبراهيم الخليل وبه صخرة لطيفة تزار ويقال أن إبراهيم الخليل كان يجلس عليها أيضاً" وبقول الطبيب النصراني ابن بطلان الذي زار حلب عام 1048 أنه يوجد في أعلى القلعة مسجد وكنيستان وفي إحداها كان المذبح الذي قرّب عليه ابراهيم (نقلاً عن ياقوت الحموي في معجم البلدان مجلد 2 ص 283 طبعة بيروت الجديدة) وهناك شهادة أخرى جاءنا بها ابن الخطيب وقد نقلها لنا ابن شحنة وفيها يقول أن المقام الإبراهيمي الأسفل بقي كنيسة حتى عهد بني مرداس" (الدرّ المنتخب في تاريخ مملكة حلب طبعة يوسف سركيس بيروت 1901 ص 76).
وعُثِر عام 1936 إثر أعمال شق الطريق شرقي كنيسة الملاك ميخائيل بالعزيزية على فسيفساء كنيسة تعود إلى أواخر القرن الخامس الميلادي وقد تكون لدير بُني في ضاحية المدينة لم تأتِ الوثائق المكتوبة على ذكره.
وجاء في سيرة القديس رابولا أسقف الرها أنه اهتدى للمسيحية حوالي عام 400 في مدينة بيرية (حلب)على إثر معجزة تمّت في كنيسة القديسين الشهيدين قزما وداميانوس.[13]
ولم يُعثَر على موقع هذه الكنيسة.
ويستدلّ بعضهم من اسم باب الأربعين شرقي المدينة على وجود كنيسة للأربعين شهيداً خارج السور بالمقارنة مع باب توما في دمشق الذي أُطلق عليه هذا الاسم لوجود كنيسة للقديس توما خارج السور. كما أن بعضهم عزى اسم جامع القيقان إلى المطران أقاق:
قيل إن هذا المسجد كان مرقباً يُقيم فيه أقاق ثم جُعِل مسجداً (نهر الذهب في تاريخ حلب للشيخ كامل الغزي الجزء الثاني ص 90) وأقاق هو أسقف حلب الشهير وقد لا يكون مرقبه المزعوم سوى كنيسة بناها على السور أو بُنيت على اسمه، وقام مكانها الجامع الذي يحتوي على بقايا عديدة من قبل الإسلام.
ويبقى الأثر الأهم من العصر البيزنطي كنيسة السيدة حيث الآن مدرسة الحلوية، ونأمل أن يُعاد إليها رونقها وجمالها.
حلب بين مناصري المجمع الخليقدوني وخصومه
أول أسقف معروف لحلب بعد أكاكيوس 378-432 هو ثاوكتيستوس. ويرد توقيعه في مجمعين محليين عُقدا في انطاكية عامي 445 و 448. وقد اشترك في مجمع خليقدونية عام 451 الذي أدان تعليم الراهب اوطيخا (الذي أنكر كون المسيح مشاركاً لنا بالبشرية) وتصرفات ديوسقورس رئيس أساقفة الاسكندرية وحدد أن المسيح الابن الواحد إله تام وإنسان تام في طبيعتين متميّزتين لكل منهما خواصها. هذا التحديد يناقض لفظياً قول القديس كيرلس الاسكندري بالطبيعة الواحدة للكلمة المتجسّد، وإن المسيح من طبيعتين وليس في طبيعتين. قامت المعارضة ضد المجمع أولاً في مصر ثم لحقت سوريا ولا سيما في المناطق الشرقية غير المتأثرة بالحضارة اليونانية والتي شدّدت على الطابع السرياني وأدارت ظهرها لانطاكية وللقسطنطينية. وقد ساند هذه النزعة أمير الغساسنة الحارث بن جبلة ثم ابنه المنذر ومنح غطاءاً سياسياً للانقسام الديني. ساند الأباطرة قرارات المجمع نظراً لارتباط الدين بالدولة. ونظراً لقوة المعارضة تخلّى زينون وأنسطاس عن مساندة المجمع وتبوّأ مقاومو المجمع كراسي هامة في الكنيسة، ومنهم فيلوكسينوس أسقف منمج وساويروس الذي أصبح بطريركاً على انطاكية من عام 512 إلى 518 بعد أن أزيح بطريركها الخليقدوني فلابيانوس. ثم كانت ردّة فعل الامبراطور يوستينوس وخلفه يوستينيانوس اللذين تقربا من رومة وحاولا إعادة الوحدة الدينية حول الشرعية الخلقيدونية بالإقناع ثم بالقوة. وأزيح البطريرك ساويروس وطرد الأساقفة المعارضون للمجمع من كراسيهم فنشأت كنيسة موازية للكنيسة الرسمية وذلك بهمة يعقوب البرادعي وحماية الأمير الغساني، ولم تعد هذه الكنيسة تكترث لما يجري في القسطنطينية وعاشت حياتها الخاصة.
تعاقب على رئاسة أبرشية حلب أساقفة بعضهم موالون للمجمع وبعضهم معارضون ويبدو أن المعارضة لم تلقَ صدى عميقاً بين المؤمنين فحلب مدينة هللنستية وتعيش فيها العناصر اليونانية والسريانية والعربية في وئام.
بعد ثاوكتيستوس الذي اشترك في المجمع الخليقدوني وكان من أنصاره لا نعرف أسقفاً آخر لحلب قبل بطرس الذي شارك في سيامة ساويروس بطريركاً على انطاكية وكان احد الاثني عشر أسقفاً الذين ساهموا في تنصيبه (512) وخلفه انطونينا وكان على رأيه. ولما أُبعد سايروس أرغم الأساقفة المناصرون له على القبول بالمجمع أو التخلي عن منصبهم، فترك انطونينا كرسيه في حلب وأنهى حياته في القسطنطينية.
وقام بعده ميغاس وكان خلقيدونيا وشارك في المجمع الذي عُقد في القسطنطينية عام 536، وكان على رأس أبرشيته حلب لما اجتاحها كسرى انوشروان عام 540.
وقد يكون يعقوب البرادعي الذي أعاد تنظيم الكنيسة السرانية سام أسقفاً آخر على حلب معارضاً للمجمع وإن لم يتمكن من الالتحاق بكرسيه إلا عندما سمحت له الظروف.
وهكذا أصبح المسيحيون بحلب فئتين فئة مناصرة للمجمع الخلقيدوني (الملكيون) وفئة معارضة (السريان أو اليعاقبة). ويخبر المؤرخ ميخائيل السرياني إن كثيرين من معارضي المجمع انضمّوا إلى الخلقيدونيين. منهم لما رأوا الانقسامات التي مزّقت جماعتهم والمأزق الذي وصلت إليه، ومنهم لما فهموا أن المجمع الخليقدوني براء من تهمة النسطورية التي ألصقت به، ومنهم بسبب ضغوط الدولة ونشاط البطاركة الملكيين (أفرام، غريغوريوس الأول) ولما احتل الفرس المناطق الشرقية أبعدوا الأساقفة الموالين للمجمع. وظلّ الخلقيدونيين الملكيون الأغلبية غربي الفرات والمعارضون الأكثرية في مناطق الجزيرة والرها. وبقيت الكنيسة الكبرى في حلب بيد الخلقيدونيين (الملكيين). وثبت الفتح الإسلامي هذه الأوضاع.
النظام الكنسي والطقوس
كانت حلب من الوجهة الكنسية تشكّل ابرشية خاضعة مباشرة لانطاكية. ضمن الاقليم المدني المسمّى سوريا الأولى. وكانت الأبرشيات المجاورة قنسرين وجبول وخناصر، وأبرشيات الساحل سلوقية (السويدية) واللاذقية وجبلة وبالتوس تابعة لنفس الاقليم. أما أقليم سورية الثانية وقاعدته أفاميا فمن مدنه حماة وبانياس. وفي الشمال الشرقي أقليم الفرات وقاعدته منبج، ومن أهم مدنه قورش ومرعش والرصافة. وفي الجزيرة اقليم الرها واقليم آمد (ديار بكر) وفي الجنوب اقليم فينيقيا البحرية وقاعدته صور واقليم فينيقيا اللبنانية وقاعدته دمشق. ومن جنوب دمشق حتى حدود البتراء اقليم العربية وقاعدته البصرى وفي الشمال الغربي اقليما كيليكيا طرسوس وعين زربه واقليم ايصورية. وحصل أسقف حلب على لقب متروبوليت في مجمع 536.
وعدد الأبرشيات التي ثبت وجودها تاريخياً من الوثائق المجمعية 130 (وهناك وثيقة متأخرة تقول بـ 154 أبرشية تابعة للبطريركية الانطاكية)
أما الطقس المتبع في الليتورجيا فهو الطقس الانطاكي القديم، وإن انقسام البطريركية الانطاكية إلى ملكيين وسريان بسبب الموقف من المجمع الخليقدوني لم يحدث انقساماً في الطقس في تلك الحقبة. إنما بدأت كل فئة تطوّر طقوسها بشكل مستقل، وظلّ الفرع السرياني أقرب من الطقس الانطاكي القديم، بينما الملكيون توجّهوا في العصور الوسطى شيئاً فشيئاً نحو طقس القسطنطينية (البيزنطي) أما اللغة المستعملة في الصلاة فكانت اليونانية في المدن والسريانية في الريف وتخلّى السريان شيئاً فشيئاً عن اليونانية. ويورد ثاوذوريطوس في وصفه للأديرة أن بعضها تقيم الصلاة باليونانية وبعضها بالسريانية. وهناك دير مشترك في زوغما تتلى فيه آيات المزامير باللغتين بالتناوب.
وفي حلب كانت العناصر اليونانية والسرانية والعربية تعيش في وئام، واليونان يفهمون السريانية، والسريان يفهمون اليونانية، والعرب يفهمون أقله السريانية، ولم تقم صلوات خاصة بالعربية. ولم يعثر على ترجمة عربية للكتاب المقدس قبل الفتح الإسلامي.
الغزو الفارسي: الامبراطور هرقل
كانت الحرب سجالاً بين الفرس من جهة والرومان والبيزنطيين من جهة أخرى ولم تكن فترات السلم إلا ايام هدنة لم تدم طويلاً. وكانت الدولتان تتنافسان للسيطرة على الطرق التجارية. وقد مرّ امبراطوران في حلب وهما متجهان ليحاربا الفرس وهما على رأس الجيوش، جوليانوس الجاهد (363) وهرقل (622). ولم تتضرّر حلب كثيراً من الحرب لأن رحى القتال تدور عادة في الجزيرة العليا. وأحياناً في الصحراء إذ تعبر الجيوش الفارسية الفرات جنوب مصبّ الخابور متحاشية المدن المحصّنة، وتصطدم جيوش لخمييّ الحيرة حلفاء الفرس مع جيوش الغساسنة حلفاء الروم. ولا يسعنا أن ندخل هنا في تفاصيل هذه الحرب الضروس التي أنهكت الدولتين العظميين، ونكتفي بالإشارة إلى ما حلّ بحلب عام 540 إذ استولى عليها كسرى انوشروان ونكّل بها وتابع مسيرته إلى انطاكية فهدمها وسبى العديد من أهلها. وفي عام 609 احتل الفرس حلب ثانية بقيادة كسرى الثاني برويز، وقد تابع كسرى زحفه على انطاكية ثم على القدس حيث هدم كنيسة القيامة وسبى عود الصليب المقدس. واستعاد الامبراطور هرقل عزيمته ودحر الجيوش الفارسية وأملى شروط السلم في العاصمة المدائن نفسها عام 628 واستعاد عود الصليب وعاد به إلى القدس. وقد مكث هرقل فترة في حلب وهناك استقبل موفد العاهل الفارسي الكاثوليكوس النسطوري. وهناك استقبل عود الصليب.
أمضى هرقل سنوات طويلة شمال سورية بسبب الحرب مع الفرس ولمس الانقسام الديني بين مسيحيي سورية، وعمد مع مستشاريه الكنسيين على إيجاد صيغة توفيقية بين المجمع الخلقيدوني ومعارضيه، وهي القول بأن في المسيح طبيعتين ولكن فعل واحد وإرادة واحدة. ولم تنجح هذه المحاولة التي سايرها البعض (ومنهم رهبان مار مارون حسب قول ميخائيل السرياني) على إعادة الوحدة. وظلّ معارضو المجمع متمسّكين برفضهم. وامتعض الامبراطور لكونهم رفضوا مشاركته في الصلاة لما أراد دخول كنيسة الرها الكبرى فأعاد تسليمها إلى الخلقيدونيين وأخذ يشدّد على المعارضين.
خاتمة
رغم هذه الحروب والنزاعات الدينية نعمت سورية الشمالية بازدهار ديني واقتصادي تشهد له الآثار الرائعة للكنائس والأبنية السكنية التي لا تزال قائمة لا سيما في منطقة الجبال الكلسية غربي حلب، علاوة على كنيسة القديس سمعان العمودي وكنيسة الرصافة التي كانت تستقطب الزوار لا سيما في موسم الاعياد. إلا أن الولاء للحكم المركزي ضعف، والجبهة الداخلية تصدّعت. وكان نهاية حكم الروم في سورية على أيدي الفاتحين العرب الذين لم يلقوا مقاومة تذكر.

[1] راجع صبحي صواف تاريخ حلب قبل الإسلام 1972 ص 53، تاريخ ميخائيل السرياني الجزء الأول ص 211-212 ويستشفّ من ميخائيل السرياني أن أعضاء المجلس كانوا يرافقون الامبراطور على مضض من باب المنصب إلى المعبد للقيام بالمراسيم الرسمية. وقد أتى ثاوذوريطوس على ذكر الحادث في مؤلفه التاريخ الكنسي، الكتاب الثالث فصل 17 (مجموعة الآباء اليونان مجلد 82 عمود 1115).

[2] مجموعة الآباء اليونانيين، مين مجلد 32 عمود 661 الترجمة العربية نقلاً عن النشرة الطائفية لأبرشية حلب للروم الكاثوليك 1945 عدد 4 صفحة 14.

[3] مجموعة الآبء اليونانيين، مين مجلد 32 عمود 816-817، نشرة ابرشية حلب للروم الكاثوليك(1945 عدد4 ص15)

[4] مجموعة الآباء اليونانيين مين، مجلد 32 عمود 813-816، نشرة ابرشية حلب للروم الكاثوليك1945عدد4ص15-16

[5] يقول ابيفانيوس في كتابه ضد البدع (كتاب 29 بند 7): بدعة الناصريين هذه مزدهرة خاصة في بيرية في سورية الجوفاء كما في المدن العشر في جوار مدينة فحل (مجموعة الآباء اليونانيين مين مجلد 41 عمود 401)

[6] بعد نفي اوسطانيوس حدث انقسام داخلي بين الأرثوذكسيين في انطاكية. وكان القديس باسيليوس الكبير والأغلبية الساحقة من الشعب يؤيّدون الأسقف ملاتيوس بينما رومة (والاسكندرية) تؤيّد بولان. وتمّ اتفاق ضمني على أن ألا ينتخب أسقف جديد عند وفاة أحد الاثنين. وفلابيانوس هو الذي رسم يوحنا فم الذهب كاهناً. ولم ينحلّ انقسام انطاكية إلا في مطلع القرن الخامس.

أصفياء الله 2/9 ، ترجمة ادريانوس شكور ص 37-38 .

[8] أصفياء الله 2/22 ، ص 43

[9] أصفياء الله 4/7 ، ص 62

[10] أصفياء الله 21/10 ص 170

[11] قد يكون المطران اكاكيوس هو نفسه الكاهن الفاضل اكاكيوس الذي زار القديس باسيليوس الكبير وأشار إليه في رسالة إلى أهالي حلب. ورئيس أديار منطقة قنسرين وحلب الذي طلب من القديس ابيفانيوس أن يؤلف كتاباً عن الهرطقات. مجموعة الآباء اليونانيين مين مجلد 41 عمود 156 - 157

[12] كتاب تاريخ أصفياء الله، ترجمة الأرشمندريت ادريانوس شكور ص 50-51 .
رد مع اقتباس
 
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:18 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by ميلودى ايجى
جميع الحقوق محفوظة لموقع كفربو
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009
 


جميع الحقوق محفوظه لـ
منتديات بلدة كفربهم .......أهلا بكم .

هديه من إبن الموقع حسان